الأربعاء , 26 يونيو 2019
الرئيسية » تراجم » العلامة الشيح محمد المامي / تاريخ موريتانيا الإيجابي
العلامة الشيح محمد المامي / تاريخ موريتانيا الإيجابي

العلامة الشيح محمد المامي / تاريخ موريتانيا الإيجابي

الحمد لله رب العالمين . صلى الله وسلم على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه.
وبعد فإن تاريخ موريتانيا الإيجابي يتواصل بأمر من الشيخ علي الرضى بن محمد ناجي حفظه الله ورعاه، وسننشر اليوم على بركة الله ترجمة للعلامة الشيخ محمد المامي رحمه الله تعالى. والله المستعان وعليه التكلان.
العلامة الشيخ محمد المامي:
هو الشيخ المجدد، والعلامة المجتهد، أعجوبة دهره، ونابغة عصره، ونسيج وحده، وفخر وفده، أخرج درر العلوم من الأصداف، وبهر الأسلاف والأخلاف، آتاه الله علما لدنيا، وفتح عليه فتحا وهبيا، فبث علمه في الصدور، وأظهر خوارق الأمور، والآخذ عنه ل”سعادة الدارين” جلب، ول”سفينة النجاة” ركب، كان كالسيوطي في التاليف، بل كان أكثر منه تصانيف، تقرأ له كأنك تقرأ لعياض، مؤلفات ك”زهر الرياض”، أبدى من فقه “البادية” “الجمان”، وطفق ينظم في الأصول والفروع اللئالئ الحسان، وكان في الحقيقة كأبي حامد، وكأبيه أبي زيد في المحامد، وهو في الشعر كأبي تمام، أو كابن غالب همام، مدح الحبيب بحمر العراقيب، فما أحسن مديحه للحبيب، صلى الله عليه وسلم، وبارك وكرم وعظم.
ترجم لهذا الطود الشامخ الكثير من العلماء والأساتذة المحققين، وقد جمعت من تلك التراجم مع “ماميات” الفتى الباحث المحقق الأستاذ المعلوم لمرابط جملا أثبتها ههنا، فقلت وبالله تعالى التوفيق، وعلى الله أتوكل وبه أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم:
هو أبو عبد الله الشيخ محمد المامي بن البخاري بن حبيب الله بن بارك الله فيه بن أحمد بازيد بن يعقوب؛ ينتهي نسبه إلى سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.
يقول مخاطبا قومه:
ورثتم جدودا من جدود رواجح = إلى جعفر الطيار حلو الشمائل.
وأمه هي مريم بنت محمود بن عبد الله بن بارك الله فيه، وأمها مامنونه بنت الفاضل بن بارك الله فيه. وقد حرص خال أمه العلامة الصالح سيدي عبد الله بن الفاضل بن بارك الله فيه على أن لا تقع المعاصي عند عقد الزواج بين والد الشيخ وأمه.
والعلامة سيدي عبد الله من أجل علماء بلاد شنقيط يقول الشيخ محمد المامي:
قد سودت سيد عبد الله أعصره = ومسكة أمسكت عنه السلاطين.
ومسكة بن بارك الله فيه هو العلامة المشهور واللوذعي المذكور، يقول فيه العلامة سيدي الله ولد محم (ابن رازكه ) العلوي:
تجيريت ذاك النيل بالله خبري = بجود غمام أم بجود يدي مسكا
هما تعطيان النوق قبل سؤاله = والابحر بعد الغوص إعطاؤها السمكا
وما مسكَ إلا جنة دنيوية = به أضحك الله الورى وبه أبكى.
وقد سمي الشيخ محمد المامي باسم المامي عبد القادر، أحد أئمة مملكة فوتا الإسلامية، وكان للشيخ محمد المامي علاقات وطيدة بهؤلاء الأئمة وكان معجبا بهم ويثني عليهم في كتبه، وله رحلة إلى تلك المناطق، يقول في أحد أنظامه:
سمي والي بوصياب المامي = صاحب الاستهداف بالأنظام.
وعرف الشيخ محمد المامي بنفسه جريا على عادة المؤلفين فقال في أول نظمه لمختصر خليل:
يقول ذو الفقر والاضطرار = لرحمة المقتدر الغفار
محمد الذي له المامي علم = إبن البخاري بين ضال وسلم
الأشعري المالكي المذهب = ألمغربي الباركي النسب.
وقال في أول نظمه للقواعد المالكية (صداق القواعد):
قال عبيد ربه المقتدر = محمد إبن البخاري الأشعري
القادري المالكي المذهب = المغربي الباركي النسب.
وقوله الباركي نسبة إلى قبيلة أهل بارك الله فيه، وكان جدهم الذي عرفت القبيلة باسمه ــ المختار بارك الله فيه ــ معروفا بالصلاح والاستقامة، وقد حج بيت الله الحرام في عصر يصعب فيه ذلك، واشتهر والده الولي الصالح الشيخ أحمد بازيد بالزهد والورع والعبادة وكثرة الخوارق، يقول عنه العلامة المؤلف والد بن خالنا في كتابه “كرامات أولياء تشمش”: (أبا زيد واسمه أحمد بن يعقوب كان رجلا كريما سيدا عالما عاملا عدلا رضى تقيا نقيا، زكيا ذكيا، قصير الأمل، كثير العمل، صواما قواما خاشعا عابدا ورعا زاهدا راغبا راهبا، راضيا بالكفاية والخمول، ناكبا عن الشهرة والفضول، على أنه ذو جاه ناصر، ووجه زاهر، وفضل ظاهر، وكشف باهر، أعز من قيس، وأتقى من أويس، وأشهر من أبي قبيس، وشانيه أشأم من طويس..).
وقد عرفت قبيلة الشيخ محمد المامي عند الناس بالجود والمجد والصلاح والعلم، يقول الشيخ علي الرضى بن محمد ناجي حفظه الله ورعاه في رثاء الفتى الكريم النابه الأبي سيد عبد الله بن أحمد ابن البرناوي الباركي:
كل شبر من هذه الأرض يروي = مجدكم والتاريخ يشهد الانا
بارك الله في بني بارك الله وأعلى لهم على الناس شانا
لأبينا عهد مصان لديكم = وسيبقى عهد الجدود مصانا
وأبونا قد سن عهدا رشيدا = أينا بالسفاه يرمي أبانا.
وقال العلامة محمد عبد الله بن البخاري بن الفلالي الباركي:
إنما الدنيا بنا قد عمرت = وبنا الدين لدى الميل ائتبط
قد نمتنا زينب بنت علي = لرسول الله مردي من قسط
فارفع الرأس إذا ناويتنا = بكهذا أو تلفع وتغط.
وقال فيهم العلامة الشاعر محمد بن الطلبة الموسوي:
عصبة قد بنوا على كل نجد = بيت عز مؤيد البنيان
عصبة قد جنوا ثمار علوم = عن جناها ونت يدا كل جان
يحضؤون الزخيخ فوق الروابي = حين تطفا مخافة الضيفان
إن تسابقهم إلى نيل مجد = فهم السابقون في الميدان
أو ترافقهم بطول سفار = فعبيد للعاجز المتواني
أو تقس طود مجدهم بسواه = هل تسامي رضوى الربا هل تداني.
وفيهم يقول العلامة الشيخ محمد اليدالي فيه أيضا:
بنو أبي القطب زيد = علوا كل عال
فاقوا جميع الزوايا = بجمع خمس خصال
علم وحلم وزهد = جاه وحسن نوال
والمكرمات لديهم = بالمكرمات العوالي
فهم يمين الزوايا = وغيرهم كالشمال
فيومهم يوم عيد = وليلهم كالزوال.
ويقول الشيخ محمد المامي في الفخر بقومه:
تخب ركابنا في كل أرض = قعودا في نحور الديلمينا
بلاد العامري لنا اصطفاها = فبارك ربه فيها وفينا..
ألم تر أننا نفر قليل = ونعدل إن وزنا الأكثرينا
فإما لوذعي أو خطيب = وإما عالم جمع الفنونا..
وكما قال العالم المؤرخ محمد صالح بن عبد الوهاب في كتابه “الحسوة البيسانية”: “شهرة أهل بارك الله بالعلم والجود والدولة وجميع الفضائل تغني عن تعريفهم”.
ولد الشيخ محمد المامي بـ”آرش اعمر” بتيرس، وقيل عند «أوَسْرَدْ». وقيل عند «آشْكيكْ الأعظام»، سنة 1202ه، أو سنة 1206ه، وإلى الأول ذهب الشيخ الصالح الشيخ «ابُّ» محمذن بن محمد الأمين – وهو معاصر للمؤلف ومن الآخذين عنه – فقال:
ومولد الشيخ محمد المامي = “بشر(1202ه)” من الهجرة للأنام
وتم نظمه خليلا عام “لو(36)” = وموته في عام “بفرش(1282هـ)” حكوا.
وإلى الثاني ذهب الشيخ محمد الخضر بن حبيب الباركي – وهو ابن عم المؤلف، وتلميذه بواسطة، وشارح نظمه لمختصر خليل ومن أدرى الناس به – فقال:
محمد المامي ل”ورش(1206ه)” نجلا = وعاش “عبدا(76)” ومضى لا عن قلى.
لم يعرف للشيخ محمد المامي شيخ في العلم، وإنما كانت علومه فتحا لدنيا من الله تعالى، يقول الشيخ العلامة المحقق الورع الدكتور محمد بن أحمد مسكه في مقدمة تحقيقه لنظم أهل بدر: “وليس لدينا الكثير عن صبوة الشيخ ولا عن تعلمه وأشياخه، ولكنه سيبرز إلينا وهو في سن العشرين من عمره وقد اكتمل نضجه وأصبح معدودا من أكابر الأولياء الصالحين ومن محققي العلماء المشاركين في جميع فنون العلم ومن الشعراء البلغاء المجيدين ومن الشعراء المجيدين باللهجة الحسانية؛ ومع ذلك فلم نستطع العثور على شيخ له؛ سواء في علم الباطن أو علم الظاهر؛ سوى ما يذكر من أن أخاه الأكبر عبد العزيز بن البخاري كان شيخه وكان متصوفا وله في التصوف تأليف؛ ذكر محمد الخضر أنه نفيس؛ وقد ذكر محمد الخضر أن الشيخ كان على الطريقة القادرية؛ ولكنه لم يذكر عمن أخذها، وسيأتي البحث في علاقته بالشيخ سيد المختار. وبعد أن بلغ الشيخ نحو العشرين عاد إلى منازل قبيلته في تيرس؛ وكان قبلها يسكن في بلاد القبلة وكان سبب رجوعه أن أحد أبناء عمومته وهو العالم الشاعر الصوفي سيدي بن محمد مولود بن حبيب الله ذهب إليه وناشده بقصيدة له طنانة أن يعود إلى قبيلته.. ويحكى أن الشيخ بات سهران تلك الليلة وأنه توسل إلى الله تعلى بنبيه وبأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين شهدوا معه بدرا في أبياته المشهورة وهي:
طال ليلي من بعد طول نهاري = ولغوبي فلم يقر قراري
رب أدعوك بالنبي عليه = صلوات العشي والإبكار
وأبي بكر المنزل فيه = ثاني اثنين إذ هما في الغار
وأبي حفص الذي أيد الله به الدين ثالث الأقمار
وبعثمان ذي الندى وعلي = كرم الله وجهه والحواري
وبعبد الرحمن ثم بسعد = وسعيد وطلحة الأخيار
ثم بابن الجراح سيد فهر = عاشر العشرة العيون الجواري
وبباقي الصحاب من أهل بدر = رضي الله عن نجوم الدراري
إجمعن بالجميع جامع شملي = عاجلا واكشف الهموم السواري.
(فلكم بالجميع فرجت كربا = كان ملء القلوب والأبصار).
ففرج الله همه وأعانه على مهمته؛ وهذه الأبيات مجربة لكشف الكروب بإذن الله تعلى”.
وقال في تلك الترجمة الرائعة: “والمشهور عند الناس؛ ولم نزل نسمعه منهم أن الشيخ محمد المامي والشيخ محمذ فالا بن متالي ليس لهما شيخ؛ بل أعطاهما الله تعلى العلم اللدني”. ويقول الشيخ هارون بن الشيخ سيديا في كتاب الاخبار: “وكنت أعجب من علم الشيخ محمد المامي بعامة العلوم الشرعية وآلاتها؛ لأنه لم يذكر أنه دخل محضرة من عامة الموجود في زمنه؛ ولم يحتك برؤسائها إلا بعد ظهوره؛ فصار يجادلهم ويجادلونه.. حتى وقفت على قوله من نظم المختصر:
فدونكم إبل نظم لا تلد = تحمل أثقالكم إلى بلد
ولم يكن مصريكم والتونسي = بالغها إلا بشق الانفس
أعطاكموها فاتح الأبواب = وإنما كنت من الأسباب
بجذبة من مالك الخطام = ونية فاترة العظام
وشربة من بحر نور سلسل = بين يدي في النوم خير مرسل
لكنها الرؤيا تسر من رأى = ولا تغر مثل سر من رأى.
فتيقنت وتحققت أنه الفتح الوهبي الذي لا غبار عليه”.
ويقول الأخ الأستاذ العتيق ولد البرناوي في تحقيقه البديع لرسالة جده الشيخ العلامة المختار بن البرناوي بعنوان: “دفاع الشيخ المختار بن البرناوي الباركي عن مدرسته الفكرية والعلمية”، يقول: “ولكن تمدرسه على الآخرين أغناه عنه قوله:
مبيتي لدى هضب النعام ومرقدي= ولو بت ملقى للندى وموسدي
رأيت قبيل الصبح وجه محمد = فما باح لي ما قد رأيت من الغد
بشاشة وجه لم تر العين مثله = ولم تغن عنه الشمس ذرة مفقد
طلبت لعيني بعده ما يسرها = فما ظفرت عيني بذاك ولا يدي”.
ورسالة الشيخ العلامة المختار بن البرناوي بالغة الأهمية نظرا لأن الشيخ المختار من مجموعة الشيخ محمد المامي وأبناء مدرسته، وكان الشيخ يثني عليه، يقول في توسله ببعض تلامذته:
وما ذكر الله الأمين محمد = وما قرأ المختار فيها وعلما.
ويقول العلامة اباه بن عبد الله في تقريظه للتحقيق المذكور يذكر تلك الرسالة: “بين فيها ما هو مكذوب على الشيخ محمد المام وما هو صحيح النسبة وأظهر دليله، وهي مسائل قد لا يدرك حقيقتها إلا الراسخون، وهذا يظهر سعة علم الشيخ محمد المام وتبحره، ومقدرة الشيخ البرناوي على إظهار هذه المسائل النظرية في صورة الواضح القريب وغيرة علماء زمنه على الدين ودفاعهم عنه وإنصافهم عند ظهور الحق وعفة ألسنتهم في الرد على المخالف”.
ومن خصائص مدرسة الشيخ محمد المامي دعوته إلى نصب إمام يجمع أمر الناس، وفتح باب الاجتهاد وفق ضوابطه لمن له أهليته في عصره، وقد بلغ هو نفسه درجة الاجتهاد وأشار إلى ذلك في بعض قصائده، ومن ذلك قوله:
سلام على القرن الألى خذلوني = وناطحت عنهم ماضيات قروني
بتأديتي فرض اجتهاد عليهم = وفتحي لأبواب له وحصون.
أقام الشيخ محمد المامي محظرة كبيرة في الشمال الموريتاني تخرج منها الكثير من العلماء، وقد نذر نفسه لبث العلم في صدور الرجال وتاليف الكتب المفيدة المبينة للعلوم، يقول الشيخ محمد بن أحمد مسكه: “وكان منقطعا للتعليم والتآليف مقدما لهما على مشاغل الحياة ومشاكلها ما أمكنه ذلك، وكان رضي الله عنه وأفاض علينا من بركاته زاهدا في الدنيا منابذا لها لا يريد منها إلا ما ينفقه على ذوي الحاجات أو يستعين به في سبيل المعروف.
وقد أثنى على الشيخ محمد المامي الكثير من العلماء والمحققين، ومن هؤلاء العلامة محنض بابه بن اعبيد الديماني وهو من الأعيان الذين عرض عليهم الشيخ محمد المامي نظمه لخليل فسلموه، قال الشيخ محمد المامي في كتاب البادية: “ومما حملني على هذا المجموع كلمة محنض باب لي أدرك الفقه فقد خرج من الأيدي، قالها بعد تدبره لنظم خليل”. وقال في السلطانية:
وإذ تبدى لمحنض بابا = عشية أعجبه إعجابا
وقال لا عيب به للمشتهي = سوى اختصاص سره بالمنتهي
قلت من اصله حوى ذاك الشمم = ومن يشابه أبه فما ظلم
ولم يعبه نجل فحل تيرس = وأحمد الدولة بدر المجلس.
ونجل فحل تيرس هو العلامة سيد احمد بن سيدي عبد الله بن الفاضل، وبدر المجلس هو العلامة المتبحر أحمد دوله بن انشاغ اعمر اليعقوبي اليدامي.
وكان الإعجاب بين الشيخين محنض باب والشيخ محمد المامي متبادلا، قال الشيخ محمد المامي مقرظا كتابي “الميسر” و”اللوامع” للعلامة محنض بابه بن اعبيد والعلامة محمد بن محمد سالم ومشيدا بإحيائهما للعلم في هذه البلاد:
الحمد لله رب العالمين على = سعي الإمامين في تجديد ما اندرسا
محنض باب لبحث الأمهات سعى = حتى سنا البحث في الأمصار قد طمسا
ونجل سالم أبدى المصريات لنا = حتى تخلص منها كل ما التبسا.
وأثنى عليه العلامة الشيخ محمد عبد الله بن البخاري بن الفلالي في كتابه “العمران”، فقال: إنه شهير بالعلم والرئاسة وحفر الآبار التي لم يسبق إليها. قال: وكان يحبني حبا شديدا؛ وكنت أسأله عن المسائل في حياته وزرت قبره بعد وفاته بكدية أيق.
وذكر العلامة محمد الخضر في مفاد الطول والقصر ــ شرح نظم الشيخ محمد المامي لمختصر خليل ــ أن العلامة أحمد بابا بن البخاري بن الفلالي ابن عم الشيخ سئل عن الشيخ محمد المامي على أي المذاهب هو؟ فأجاب: والمذاهب على أي الشيخ محمد المامي.
وقال فيه العلامة أحمد فال بن محمذ فال الموسوي مسلما بعض فتاويه:
من قلد المامي السري في مسأله = نجا من الحساب يوم المسأله.
ثم قال العلامة الشاعر محمد بن الطلبه مسلما الفتوى نفسها:
قلت وذاك عندنا مسلم = وقول من خالفه مجرم.
ثم كتب العلامة سيدي أحمد البربوشي بن محمد بن البخاري بن مولود الباركي البيتين غير منسوبين إلى صاحبيهما، وأرسلوهما إلى الشيخ محمد المامي، فكوشف له عن صاحب كل واحد من البيتين وعن كاتبهما؛ فكتب تحت البيتين:
ألبيت الاول لأحمد فال = والثان لابن الطلب ذي المعالي
والخط خط الاورع البربوشي = وخطه كالذهب المنقوش.
وأثنى عليه كثيرا العلامة المختار بن البرناوي الباركي في رسالته التي رد فيها عن شيخه الشيخ محمد المامي.
وقال العلامة سيد أحمد (المعروف بالجكاني) بن الشيخ بن الإمام البوحمدي المجلسي مجيبا لأبيات لشيخه الشيخ محمد المامي:
لوقوعي بروعكم قد كفاني = وشفاني جواركم ورفاني
أنتم بغيتي وأنتم شفائي = أنتم الشام لي وأنتم يماني
إن يوما أهدى إليكم ليوم = علم الله هم بالإحسان.
ومن الترجمة الرائقة التي كتبها الشيخ العلامة الدكتور أحمد كوري بن الشيخ العلامة يابَّ بن محمادي السملالي(عميد زاوية الشيخ محمد المامي) كتبها تقديما لمجموعة من مؤلفات الشيخ صدرت عن الزاوية: يقول العلامة محمد الخضر بن حبيب ــ في وصف الشيخ محمد المامي ــ : “مشهور كشف وكرامات، .. يقول بعض أهل عصره: “إنه موقف عقل”، وبعض: “لا مامي بعده”، على يديه كثيرا يَكْثُرُ موجود ويَعْذُبُ مالح ويَتَتَمَّرُ نحو دباغ، وانتفع به كثير وبعضه بلا كتابة .. يداعب تلاميذه ويتوسل بهم وبهممهم وكدهم وأفعالهم وبآبائهم، فائق في كل علوم الشرع.. ، ما من فن إلا وله فيه تصانيف نثرا ونظما عربيا وغيره، صنف في أصول الفقه واحدا ومائة .. بارع في الشعر بنوعيه ولم أر أكثر منه استسقاء بهما .. وكان يمدحه صلى الله عليه وسلم كل عام بقصيدة يسميها “حمراء العرقوب”، وأشعاره في علم الحقيقة لا تحصر، كتآليفه فيها .. وأخبرني الثقات أنه أعقل أهل زمانه وأنه جميل صورة، زاهد لا سيما في ما بأيدي الملوك، كريم الخلق، مُدَارٍ للناس، منصف ذو مروءة، مِنْحَارٌ وأنه ينحر كل ليلة جمعة، كثير ضيف ومواساة، وأنه زار الكنتي جار “فَصْك” لكتب الأصول فاجتمعت له منها ليلتَه مائةٌ وعشرون وتدبرها وحفظها، ونظم “الميزابية” عنده، وما أجودها .. وأَخبَرَ بخمسة عشر كتابا دخلت أرضه فيها ما في المائة والعشرين لتكون مصداقا لما حفظ.. وقد وصفه أيضا بأنه: “أعجوبة دهره”.”
ومنها أيضا: وكان الشيخ محمد المامي والعلامة الشيخ محمذ فال بن متالي متعاصرين وكانا يتبادلان الإعجاب والثناء، كما يقول العلامة محمد الخضر بن حبيب: “وحكى ابن متالي نفعنا الله به، وأناله غاية مطلبه أن ظم ــ يعني: الناظم الشيخ محمد المامي ــ سئل: “أنظمت خليلا كله؟” فقال: “نظمت بعد انتهائه ألف بيت متصلا به” اهـ، ” ويقول: “كان ظم -رضي الله تعالى عنه – كثير الإغرابات في كل علم، لكن لا يطلع على أكثرها إلا المنتهون .. وكان محمذ فال بن متالي نفعنا الله بالجميع يستجيدها بالغة ما بلغت، وكان يجله جدا ويتبرك بأثره .. وبسط ما جرى بينهما عريض لا يليق هنا، وأنشد يوما أبياته العشرة التي أولها:
طال ليلي من بعد طول نهاري = ولغوبي فلم يقر قراري
مستعذبا لها وقال: “لا حشو فيها ولا تتميم” اهـ وهذا لا يسلم منه غالبا.
وقال العلامة زين بن الجمد اليدالي في مقدمة شرحه لوسيلة السعادة (نظم أهل بدر الكبير) للشيخ محمد المامي: “وأما الناظم فكان غاية في العلوم؛ لأنه مشارك بل كاد يفوق أهل عصره لانفراده بعلم الهيئة وتسيير الكواكب وأقطار الأرض وأطوالها”.
وقال فيه العلامة سيد أحمد بن اسمه الديماني: “ومنهم الشيخ محمد المامي المذكور، ناظم مختصر الشيخ خليل ومؤلف الكتاب المسمى: “كتاب البادية” في الأحكام المختصة بأهل البادية وصاحب القصيدة العجيبة المعروفة بالدلفينية وصاحب الأخرى المعروفة بالميزابية في الجدل .. والذي نظم العلوم كلها من فقه ونحو وتوحيد ومنطق وبيان وسيرة وأنساب وهيئة وغير ذلك، بنظم حسن سلس محكم من الشعر الحساني، لا تمل منه الأذن مع طوله بل لا تزيده الحكاية إلا حسنا عند سامعيه، وهو من العجائب العظام وهو ديوان للعلوم كلها”.
وقال عنه العالم المؤرخ أحمد سالم بن باكا في كتابه تاريخ إمارة الترارزة: “وممن مات من الأعيان في أيام اعل بن محمد لحبيب الشيخ محمد المام على خلاف في ذلك وهو ابن البخاري بن حبيب الله وحبيب الله هذا هو جد أهل حبيب الله القبيلة المشهورة.. وكان الشيخ محمد المام هذا عالما مشاركا في جميع الفنون وزاد على علماء بلاده بعلم الهندسة والجغرافيا ونحوهما من العلوم التي كانت في ذلك الزمان مهملة في هذه البلاد.. وقد يمكن القول إن جل مقوله يشبه الألغاز نثرا كان أو نظما عربيا كان أو حسانيا، فكأنه يغوص في بحار العلم فيخرج منها دررا مكنونة لا يكاد يستفيد منها إلا من آتاه الله الحكمة من ألباء العلماء المنتهين.”.
وقال عنه الشيخ محمد بن أحمد مسكة: “هو الولي الكامل والعالم المتفنن المحقق والشاعر المفلق الذي عم صيته الآفاق، واعترف له القريب والبعيد بأنه المجلي في حلبة السباق. صاحب الكرامات الباهرة والخوارق السائرة والتآليف الزاهرة والقصائد الرائعة الباهرة الذي جمع بين رئاسة الدنيا وشرفها وبين الإمساك بزمام العلوم والآداب إمساك المالك لها المتصرف بها؛ هذا إلى فضل التقوى وصلاح السريرة.. “.
وقال الأستاذ المؤلف المحقق بوميه بن ابياه في مقدمة تحقيقه لكتاب البادية: “هو الإمام، العلامة، المحقق، الأصولي، المفسر، الفقيه، النظَّار، اللغوي، النحوي، البياني، الناسك، الورع، الولي، الصالح، ذو الكرامات الكثيرة والخوارق العجيبة، أجمع معاصروه أنه تصدر أهل عصره في كثير من العلوم المعروفة في عصره وبيئته، كالتفسير والحديث والفقه والأصول والعربية”.
وقال الدكتور يحي بن البراء في ترجمته له في كتابه المجموعة الكبرى في الفتاوى: “فقيه وموسوعي وشاعر ومتصوف قادري.. درس في ذويه ثم في القبلة ولم يعرف له أشياخ علم وإنما يذكر أنه كان عصاميا في تحصيله. فأخذ العلم عن طريق الاطلاع والرحلات.. اتصل بأمراء النهر من أصحاب الدولة الإمامية.. أقام مدرسة كبيرة في منطقة تيرس بالشمال الموريتاني تخرج منها أجيال من العلماء. دعا لإقامة الحدود وتنصيب الإمام الأعظم وفتح باب الاجتهاد في البلاد التي كان بها..”.
وقد انتفع بالشيخ محمد المامي خلق كثير، وتصدر على يده جم من العلماء منهم أبناؤه الأفاضل، ومنهم الشيخ أحمد يعقوب بن محمد بن ابن عمر بن محمود بن عبد الله بن بارك الله فيه، والشيخ المختار بن البرناوي بن سيد عبد الله بن الفاضل بن بارك الله فيه، والشيخ محنض (محمد) أحمد أحمد بن حبيب بن عبد الله المكي بن أحمد بن عبد الله بن بارك الله فيه، والشيخ أحمد بن عبد الله بن عبد الدائم بن مولود بن بارك الله فيه، والشيخ حمى الله اليعقوبي اليدامي، والشيخ محمد الأمين بن امَّيْن اليعقوبي، والشيخ عبد الله العتيق بن حمى الله اليعقوبي، والشيخ عبد الله العتيق بن عبد الوهاب اليعقوبي، والشيخ محمذن (ابُّ) بن محمد الامين الألفغي، والشيخ سيد احمد (المعروف بالجكاني) بن الشيخ بن الإمام المجلسي، والشيخ عبد الله بن عبد الدائم التاكاطي، والشيخ عبد القادر بن المعلوم الكنتي، والشيخ محمد بن المنير اليعقوبي من أهل فالين الصديق، والشيخ محمد محمود بن أحمد أجود.
ويعد الشيخ محمد المامي من أكثر العلماء تأليفا، ألف في شتى الفنون مؤلفات كثيرة، وتتميز تآليفه بأنها بديعة كلها، يقول الأستاذ العتيق ولد البرناوي: “ولعل كثرة تصانيفه البديعة هي الميزة الفارقة له، هذه التصانيف التي تراوحت بين العشرة آلاف بيت “نظم خليل” مثلا، وشطر واحد:
إليك تاليفا بشطر قد نظم = ثلاثة العاقل من والواو هم.
هذا التاليف الذي يعده الشيخ محمد الخضر: “مِن مُلَح الشيخ في النحو، وهي كثيرة فيه وفي غيره””.
ومن أشهر مصنفاته: كتاب “البادية”، و”الجمان”، و”الدلفينية وشرحها”، ونظم مختصر الشيخ خليل، ونظم ابن جزي، وابن القاصح، و”المفتاح في مصطلح الحديث”، و”الشيخ الأجم والشيخ الأقرن” في الفقه والبيان والأصول، ووسيلة السعادة (نظم أهل بدر الكبير) وشرحه، ونظم أهل بدر الصغير، و”سفينة النجاة”، و”الزعفرانية”، وصداق القواعد (نظم القواعد الفقهية) وشرحه، و”الميزابية وشرحها”، و”إدخالات البحر في الغدير”، و”إغراء الضوال والهمل على الكروع في حياض العمل”، و”زهر الرياض اللازوردية في الأحكام الماورودية”، وكتاب الإجماعيات، والدولاب في المذاهب الأربعة والأربعين، ونظم ورقات إمام الحرمين، وله ديوان شعر فصيح وآخر حساني.
وكان الشيخ محمد المامي كثير المدح للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يمدحه صلى الله عليه وسلم كل عام ــ كما مر ــ بقصيدة يسميها “حمراء العرقوب” ، ومن أشهر قصائده المديحية همزيته: “الجرادة الصفراء” ــ شرحها الأستاذ محمد فال بن عبد اللطيف شرحا سماه “الزمردة الخضراء” ــ ، وميميته التي مطلعها:
جرى الحب في الأعضاء حيث جرى الدم = فيا زحلي اللون والدمع عندم.
ورائيته التي مطلعها:
ندب السرور لمعدن الأسرار = سعد البشائر منبع الأنوار
وبعد عمر حافل بالعطاء العلمي والثقافي والتربوي توفي الشيخ محمد المامي سنة: 1282هـ، عند جبل “أيق” بتيرس، عن عمر يناهز الثمانين، رحمه الله تعالى ونفعنا ببركته، وقد رثاه أبناؤه الكرام والكثير من الشعراء، يقول الشيخ العلامة المحقق الورع الشاعر وحيد دهره وفريد عصره أحمد يعقوب بن ابن عمر وهو ابن عم وتلميذه وشارح نظمه لخليل:
ألا إن في الدنيا خطوبا تبصر = وفي السير عنها للنعيم تصبر
لئن جنت الدنيا بأيق ثمارها = لقد كان للأخرى سرور ومفخر
سقى مطر الرضوان قبر محمد = وآواه م الغفران بيت محبر.
وقد ورثه في علمه وصلاحه وفضله أبناؤه العلماء الصالحون الكرام: علي والبخاري وصلاحي وأفلواط وعبد الله وعبد العزيز والصوفي وحمدي وسيد آمين ومحمد الأمين. رحم الله السلف وبارك في الخلف.
كتبه محمد ولد امد أمين الثقافة في المنتدى العالمي لنصرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وسيتواصل بحول الله تاريخ موريتانيا الإيجابي بأمر من الشيخ علي الرضى بن محمد ناجي أيده الله بحفظه وعونه ونصره.