السبت , 20 أبريل 2019
الرئيسية » تراجم » العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي
العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي

العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي

‫#‏سيدي‬ عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد فبأمر من شيخنا الشيخِ علي الرضى بن محمد ناجي رئيس المنتدى العالمي لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم حفظه الله ورعاه وأيده بنصره يتواصل تاريخ موريتانيا الإيجابي إن شاء الله تعالى، وننشر اليوم على بركة الله ترجمة للعلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي، والله المستعان وعليه التكلان.
العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي:
هو بحر العلم المورود، من ارتقى مراقي السعود، فنال من فيض الفتاح، ما حالفه به نيل النجاح، فكانت علومه وفهومه هدى للأبرار، وكان إرشاده وتربيته طلعة للأنوار، وإن منهجه في التأليف ليسر الناظرين، كأن تآليفه للمرتادين روضة النسرين، وإنها لمطية النجح لسامع النصح، كنيته أبو محمد، واسمه سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم بن الإمام عبد الرحمن بن الإمام محمد أحمد، ينتهي نسبه إلى يحي الكامل الذي هو الجد الجامع لمعظم قبيلة العلويين الموجودة في بلاد شنقيط، قال عن نفسه في كتابه “نيل النجاح على غرة الصباح”:
يقول عبد الله ذو التئام
من بعد إبراهيم بالإمام
العلوي نسبا والوطن
تججك من كل المخوف تؤمن.
والعلوي نسبة إلى قبيلة إدوعلي المعروفة بالعلم والفضل، قال الشاعر:
بنو علي ذووا عز ومكرمة
وسؤدد وعلَوا بالعلم أزمانا
فالعلم علمهم والمجد مجدهم
وكان أصلهم من لب عدنانا
لم يحذ حذوهم في المجد غيرهم
ولا أحاشي من الأقوام إنسانا
وقال العلامة محنض باب بن اعبيد الديماني:
فعممْ به في إيدوعل وخصصنْ
بني شيخنا قاضي القضاة تجد مرعى
فجدهم أستاذ تاشمش كلهم
قد ارتضعوا من علمه الخلف والضرعا
وقال الشيخ محمد المامي البركي:
بنو علي حوى ملكا زعيمهم
كما تمكن في الشرق الحمادين.
وقال العلامة باب بن أحمد بيب العلوي:
علويون قد نماهم علي
ونماهم مجمع بن كلاب.
وذكر سيدي عبد الله في “صحيحة النقل في علوية إدوعل وبكرية محمد قل” أن دولتهم بشنجيط كانت دولة دين وعلم ودنيا وأنه كان بشنجيط أحد عشر مسجدا بالجامع العامر اليوم، وهو العتيق، وأنهم كانوا إذا مات منهم شيخ رأسوا عليهم آخر، فبقيت دولتهم بشنجيط دولة دين وعلم ودنيا”.
وقد اتفق مؤرخو شنقيط الذين تناولوا بالذكر نسب قبيلة العلويين الشنقيطيين على صحة انتساب العلويين إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إلا أنهم اختلفوا هل ذلك عن طريق ابنه محمد الشهير بابن الحنفية أو عن طريق الحسن السبط، وذكر سيدي عبد الله القولين في صحيحة النقل، وقال العلامة محمد الأمين بن محمد بيب في مقدمته لكتاب فتاوى العلامة سيدي عبد الله: بعد بحث جيد: “.. ويكفيك من الدليل على رجحان الرأي الثاني أنه هو رأي العالمين الجليلين والد الديماني ولحبيب بن المختار بن ألفغ عبيد العلوي وهما معاصران لسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم كما أنه هو رأي معظم من كتب في المسألة من المتأخرين عنه، وأنه هو الموجود في شجرات النسب الموجودة الآن بأيدي أبناء هذه القبيلة”.
وقد ولد سيدي عبد الله عام 1152هـ وقيل عام 1153هـ بتجكجة، ويقال إن أمه رأت في ليلة حملها به عمود نور خرج من سرتها وصعد إلى السماء ففزعت فزعا شديدا وأخبرت بذلك زوجها والده فقال لها لقد حملت بولد صالح، كما في تقديم محمد الأمين المذكور.
نشأ سيدي عبد الله في بيت علم وورع، فوالده إبراهيم كان عالما زاهدا لقب بالحاج إبراهيم، وكان غاية في الورع والزهد ومعرفة الفنون بأسرها، وكان متقشفا في الملبس والمأكل، وكان لا يأكل إلا دقيق الشعير الملتوت، وكان الغالب عليه الإعتزال عن الناس والتصوف، أخذ عن سيدي عبد الله بن محم بن القاضي “ابن رازكه”، وأجازه في مصطلح الحديث وأخذ عن غيره كذلك، ومما يدل على علمه وفضله ما نقله نجله في “الدر الخالد” أن المؤلف كان يقول له: “أرجو أن تكون مثل والدي، لا مثلي أنا، فإن الناس غلبوني على الدخول في أمر دنياهم وتَعينَ علي ذلك”، وتوفي رحمه الله في أرض مصر قافلا من الحج عام 1157هـ كما في حوليات تجكجَ، وذلك قبل أن يبلغ ابنه سيدي الله سن الدراسة، وكان جده الإمام عبد الرحمن عالما صالحا، وكان زعيم قومه في زمنه، وكان كثير البركات والخير مشهودا له بذلك، وكذلك كان الإمام محمد أحمد رحمهم الله جميعا.
وقد تربى العلامة سيدي عبد الله في كفالة أمه مريم غل بنت عبد الله ابن أحمد القلاوية، وخاله الفقيه الشيخ أحمد بن عبد الله الذي حفظ القرآن على يده وأتقن تجويده وهو صغير لم يبلغ الحلم، وظهر نبوغه باكرا، فكان يحفظ ما في لوحه بسرعة خارقة ويأخذ ألواح التلاميذ زملائه ويحفظ ما فيها بسرعة تفوق العادة.
أخذ عن جماعة من العلماء من أشهرهم ــ كما في ترجمته في نشر البنود المطبوع بتحقيق الأستاذين التاه بن محمد بن اجمد والشيخ التيجاني ولد أحمدي ــ: سيدي عبد الله بن الفاضل الباركي، العالم المتقن المتبحر في العربية وعلومها، درس عليه علوم العربية من تصريف وبلاغة ودواوين، كديوان الشعراء الستة الجاهليين وديوان غيلان، ولامية الأفعال لابن مالك، والمختار بن بونه، الإمام العلامة، درس عليه الكافية والتسهيل والمساعد ومطولات الفن وألفية السيوطي في البيان وشرحها عقود الجمان والتلخيص في البيان وشرحه للتفتزاني وكبرى السنوسي في التوحيد ووسطاه وصغراه. ومحمد بن الحسن بن مسعود البناني الفاسي، قال الكتاني: “وله فهرس لطيفة تضمنت أسانيده في العلوم المتداولة، أتصل بفهرسته ومروياته بإسناد غريب مسلسل بأهل الصحراء، وهو أني أرويها عن الشيخ الطائر الصيت أبي عبد الله محمد مصطفى ماء العينين الشنقيطي عن والده الشيخ محمد فاضل بن مامين عن الشيخ مصطفى الكيحل عن عبد الله بن إبراهيم العلوي، صاحب مراقي السعود وغيرها عن الشيخ بناني والشيخ التاودي، ومنهم محمد بن الطالب التاودي الشهير بابن سودة المري، العلامة الجامع لأصناف العلوم.. له فهرس كبرى وصغرى في أسانيد شيوخه، قال الكتاني: “نرويهما وكل ما يصح له من مؤلف ومروي من طرق تلامذته المجازين منه عامة، كالسيد مرتضى الزبيدي والشيخ الأمير المصري وأبي الحسن الصعيدي وعبد الله بن إبراهيم العلوي الشنقيطي”، نقل عنه المؤلف في الفتاوى في مسألة التِّبْغ فقال: “انظر حواشي شيخنا التاودي عند قول خليل إلا المسكر”، ونقل عنه في “طرد الضوال” أثناء كلامه على حكم القاضي بغير المشهور، فقال: “وبمثل هذا أجاب شيخنا سيدي محمد بن سودة التاودي الفاسي أدام الله عزه، ثم ذكر نص جوابه.
ومن شيوخه أيضا عمر بن عبد الله بن يوسف الفهري الفاسي، الشهير بعمر الفاسي، العلامة المتبحر في جميع الفنون، نقل عنه المؤلف في نشر البنود في مبحث مسالك العلة، فقال: “وقد نظم شيخنا سيدي عمر الفاسي.. ثم ذكر النظم”.
وعبد الله بن إدريس العراقي الفاسي، أخذ عنه المؤلف نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر لابن حجر، كما نص عليه في نيل النجاح.
قال العلامة محمد الامين بن محمد بيب: ولم أطلع على أسماء من أخذ عنهم من قومه وعشيرته في مسقط رأسه تيجكج مع أنه أخذ بدون شك ولو في صغره عن بعضهم لأن والده توفي وهو صغير وقومه كانوا من أهل العلم ويدلك على ذلك أن ابنه محمد محمود نقل في “الدر الخالد” عنه أنه قال: “إن الجاهل من قومه من لا يعرف في الفقه غير مختصر خليل ولا في النحو غير ألفية ابن مالك يعني من مطولات الكتب.. وأما من أخذوا عنه فلا سبيل إلى حصرهم لكثرتهم وقد عد ابنه محمد محمود في الدر الخالد منهم نحو أربعة وأربعين رجلا من مختلف القبائل والنواحي.. وكان الناس في أخذهم عنه ــ كما قاله محمد محمود في الدر الخالد ــ على فرقتين: فرقة يربيها أحسن التربية وفرقة يقتصر على تعليمها وإرشادها إلى أوجه الخير ولم يصاحبه أحد إلا وبان عليه الخير ورغب في الآخرة وزهد في الدنيا”.
ومن مشاهير تلاميذه بالإضافة إلى أبنائه: عبد الله بن لمرابط سيدي محمود والطالب أحمد بن اطوير الجنة الحاجيان، والشيخ محمد الحافظ بن المختار والطالب بن حنكوش العلويان، ومحمد محمود بن حبيب الله بن القاضي الإجيجبي، وأحمد بن المختار الجكني، وصالح بن عبد الوهاب الناصري، وسيد محمد بن اعل الزيديي، والطالب اعبيدي المسومي.
ولما استكمل سيدي عبد الله دراسة العلوم على مشاهير علماء بلده رحل برسم أداء مناسك الحج والاستزادة من العلم، جريا على القاعدة المشار إليها بقوله في طلعة الأنوار:
العلم لا ينال دون نصب
وطول صحبة وذُلِّ الطلب
والمصر لازم متقنيه تسعد
وارحل إذا حصلت علم البلد.
وأشار في “الدر الخالد في مناقب الوالد” إلى أن صلته بالسلطان سيدي محمد بن عبد الله لم تزل تنمو مع مرور الأيام وأنه شارك معه في الحرب لإخراج البرتغاليين من جنوب البلاد، فقال: “وقد جاهد معه في سبيل الله النصارى وكان الوالد رحمه الله يحبه ويثني عليه بالسياسة والكرم والشجاعة والثقة بالله، وأنه لا يتطير كالملوك، ويذكر من ذلك أنه بعث إليه ليلة، فأتاه فجعل السلطان يذاكره في العروض، فذكر له الوالد الخزم، وهو أن يزاد صدر الشطر بدون خمسة أحرف، فأنكره السلطان، لأنه لم يكن يعرفه، وكانت له يد في العروض، فأرسل إلى بعض الحذاق في العروض، فلما أتاه سأله، وهو واقف ترتعد فرائصه عن الخزم هل هو في العروض أو لا؟، فقال: نعم، فسأله عن شاهد عليه فأجابه بقول علي رضي الله عنه:
اشدد حيازمك للموت
فإن الموت لاقيكا
ولا تجزع من الموت
إذا حل بواديكا.
فقال له الوالد لا تقل ذلك وقل كقول امرئ القيس:
وكأن أبانا في أفانين ودقه
كبير أناس في بجاد مزمل.
فقال له السلطان: دعه فإن ذلك عند الله، يعنى أن الموت مؤقت في علم الله لا يتأخر عنه أحد ولا يتقدمه أحد”.
وكان العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم كثير المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم معظما لذكرى مولده صلى الله عليه وسلم: قال العلامة محمد الامين بن محمد بيب في ترجمته: “وكان رحمه الله محبا للنبي صلى الله عليه وسلم معظما لجنابه الكريم يرغب في مدحه ويكرم مادحيه وخصوصا في ذكرى مولده عليه الصلاة والسلام فقد كان يجمع في هذه الذكرى مادحي النبي صلى الله عليه وسلم ويهيئ لهم ولغيرهم ما قدر عليه من أنواع الإكرام من أكل وشرب ونحو ذلك، وينحر غالبا في تلك المناسبة رأسا من البقر أو الإبل ويلغي في ذلك جميع أنشطته المعتادة ويتفرغ لمدح النبي صلى الله عليه وسلم وإكرام مادحيه ويحث على ذلك”.
وفي فتح الشكور في معرفة علماء التكرور: “ومن فوائده أنه كان يقول: من نابه مرض فليزن الشفا للقاضي عياض بالماء ويشربه، ولقد أخبرني بعض الإخوان ممن أثق به أنه فعله لبعض إخوانه فشفاه الله تعالى”.
وكان ذا خلق سَني وسمت سُني، قال في فتح العليم في معرفة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم” للأستاذ أحمدو بن ممون: “كان رحمه الله قويا في الحق دائرا مع السنة حيث دارت لا تاخذه في الله لومة لائم ولا يسكت على باطل مهما بلغت منزلة فاعله وكان سخيا منفقا لا يكاد يملك شيئا إلا أنفقه في أوجه الخير. وكان يوزع غالب وقته بين أنواع الطاعة من تدريس للعلم وتأليف فيه وصلاة وقراءة للقرآن ومطالعة لكتب الدين وذكر لله تعالى، وكان لا ينام من الليل إلا قليلا ويكثر قراءة القرآن ويوصي بالإكثار منها، وكان لا يقبل الزكاة ويقول لست مصرفها فأخذها حرام علي، ومن أخذتها منه لم تجزه، وكان يمنع تلاميذه من أخذ عادات التلاميذ المعروفة عند الولائم والعقيقة وغيرها، وكان لا يلتفت إلى يمينه ولا إلى يساره مخافة أن يرى شيئا غير جائز ولا ينظر إلا بين يديه، وكان ينشد دائما:
لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا
فيهتك الله سترا من مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا
ولا تعب أحدا منهم بما فيكا.
وظهر على يد العلامة سيدي عبد الله بن الحاج الكثير من الكرامات، قال محمد الأمين بن محمد بيب: “وكانت لصاحب الترجمة كرامات كثيرة خصه الله بها وقد ذكر ابنه محمد محمود في الدر الخالد بعضها، من ذلك اطلاعه على ما لم يخبر به من مكنون الضمائر ووقائع الأمور، قال محمد محمود: وضع يوما بين يديه لبن فوضع أصبعه فوق الإناء الذي فيه اللبن وجعل يحرك شفتيه فقلت: في نفسي ما الفائدة في ذلك؟ فالتفت إلي وقال: من لم ير عودا يضعه فوق الإناء فليقرأ آية الكرسي فإنها تقوم مقامه، وقد هم تلميذه الحبيب بن الطالب إبراهيم الجماني بأمر وكان شرع في سفر من عند محله أي محل شيخه صاحب الترجمة فناداه وقال له: لا تفعل ذلك حتى تأتينا، وكان كثيرا ما يقول لمن معه ــ ولا قزعة في السماء ــ : تهيئوا للمطر فيتم الأمر على ما قال، ومن ذلك زيارة الصالحين له كل ليلة جمعة آخر الليل وكان تلميذه الطالب أحمد بن اطوير الجنة الحاجي يقعد كل ليلة جمعة بمؤخر خباء الشيخ لينال من بركة الصالحين الذين يزورونه، ومن ذلك شدة مهابة جميع الناس له القريب والبعيد والمحب والمبغض والمجافي والمتأدب حتى إنهم ربما يهابون أن يسألوه عن الأحكام، ولذلك لا يضحك أحد في مجلسه ولا يرفع صوته ولا يتكئ ولا يتحدث بما لا ينبغي، ترى الناس حوله مطرقين كأنما على رؤوسهم الطير، مع أنه كان رحمه الله لا يبالي بالكرامات وإن جلت وإنما المدار عنده على اتباع المحمدية البيضاء.
ومن ذلك أنه كوشف لما قرب موته بذلك وصدرت منه إشارات تشير إلى موته، منها قوله بعد آخر قضاء قضى به:
ما كنت أحسب أن الشمس قد غربت
حتى رأيت الدجى ملقى على القمر
ناشدتك الله في حفظ الوداد فقد
بانت سليمى وهذا آخر الخبر”.
وفي كتاب أعلام الشناقطة في الحجاز والمشرق للأستاذ بحيد بن الشيخ يربان الإدريسي: “ذكر الشيخ محمد البناني بن أحمد جدُّ العلوي أنه كان يقرأ تآليف صاحب الترجمة على تلميذه الشيخ سيدي محمد العلوشي حتى لم يبق منها إلا كتابه نور الأقاح وشرحه توفي شيخه العلوشي فحزن لذلك وأصابه كرب عظيم، فبينما هو نائم ذات ليلة رأى أنه اجتمع بالشيخ سيدي عبد الله نفسه وأقرأه الربع الأول من الكتاب فأصبح يحفظه لفظا ومعنى، ثم رآه في الليلة الثانية فأقرأه الربع الثاني، فلما أصبح أخبر بذلك فانقطع عنه ولم يفهم ما تبقى البتة”.
وفي “فتح العليم: ” انظره في كلام الطالب أحمد بن اطوير الجنة في “رحلة المنى والمنة” بالحرف الواحد حيث قال: “حكاية وقعت فيها صورة كشف من شيخنا .. وهي أنه ذات يوم صلى الظهر بمسجد تجكجة فلما سلم خاطبني وهو في المحراب وأنا في الصف الثاني ولم يخاطب غيري والمسجد ملآن من الناس فقال يا الطالب أحمد هل عرفت ما مكث ابن القاسم عند إمامنا مالك رضي الله عنهم أجمعين، وخطابه هذا إياي في العام الأول عنده فقلت له لا أدري فقال لي مكث عنده اثنتين وعشرين سنة، عشرون منها في العلم الظاهر والسنتان في العلم الباطن، فلما ذاق حلاوة علم الباطن قال يا ليتني جعلت العشرين في العلم الباطن والسنتين في العلم الظاهر، فتفكرت في نفسي ما معنى هذا الخطاب المخصوص بي أنا فكان من أمر الله أني مكثت عنده اثنتين وعشرين سنة، عشرون منها في العلم الظاهر والسنتان في العلم الباطن، في هذه المدة قرأت عليه علومه كلها التي قرأها في فاس مع أني كانت نيتي أن أمضي معه سنة واحدة”.
وقد ألف العلامة سيدي عبد الله بن الحاج الكثير من المؤلفات المشهورة في شتى العلوم انتفع بها الناس في بلادنا وغيرها، قال عنها العلامة محمد الامين بن محمد بيب: “وأما مؤلفاته فهي متعددة ومتنوعة وقد ألقى الله عليها القبول ما برهن على إخلاص نيته في تاليفها وأنه لم يقصد بها إلا وجه الله تعالى فأقبل عليها الناس إقبالا منقطع النظير في حياته وبعد مماته وسارت بها الركبان، وخلد ذكرها عبر الزمان، وتنافس في تحصيلها الأقران، وهي بذلك جديرة”. منها في أصول الفقه “مراقي السعود” وشرحه “نشر البنود”، وفي مصطلح الحديث: نظمه “طلعة الأنوار” وشرحه “هدى الأبرار”، ونظمه “غرة الصباح” وشرحه “نيل النجاح”، وفي علوم البلاغة: نظمه “نور الأقاح” وشرحه “فيض الفتاح”، وفي أحكام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نظمه “روضة النسرين” وشرحه “يسر الناظرين”، وفي الفقه نظمه “طرد الضوال والهمل عن الكروع في حياض مسائل العمل”، ومن مؤلفاته نظم في القراءات الثلاث ونظم “مكفرات الذنوب” وشرحه، ورسالته “صحيحة النقل في علوية ايدوعل وبكرية محمد قل”، ومجوعة من الرسائل كلها في موضوع فقهي معين نحو “تحرير المقالة في تحريم ونكالة”، و”مطية النجح لسامع النصح”، وهذه الرسائل موجودة ضمن فتاويه، ومجموعة من أبيات الرجز نظم بها بعض المسائل”.
وعن “نشر البنود على مراقي السعود” يقول العلامة محمد فال “اباه” بن عبد الله في تقديمه له: “إن كتاب نشر البنود على مراقي السعود للعلامة المحدث الأصولي مجدد عصره ورائد مصره سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم رحمه الله تعالى من أجل وأنفع ما خدم به فن أصول الفقه عموما وأصول المذهب المالكي على وجه الخصوص لما جمع من جودة التخليص والتلخيص في النظم ومن بسط العبارة والتحرير في الشرح على غير العادة الأغلبية للمؤلفين في شروح متونهم العلمية، ومع أن المؤلف رحمه الله ذكر في مقدمة نظمه أنه وضعه لجمع أصول المذهب المالكي لانفراده في الصقع المغربي ـ وإن كان محاذيا في ترتيب أبوابه لكتاب جمع الجوامع للإمام السبكي الشافعي المذهب ـ فقد تلقته الأمة بالقبول في المشرق والمغرب، وتلقفه طلبة العلم من المالكية وغيرهم، فكان النظم متنهم المعتمد، والشرح مرجعهم المستمد، وقد اطلعنا على نسخة من هذا الشرح عليها خط المؤلف في إجازة منه للعلامة المحقق أحمد سالم بن الإمام الحاجي الوداني رحمه الله، في النظم وشرحه مؤرخة بعام 1226هـ، أي قبل وفاة المؤلف بسبع سنين، وفي رحلة المُجاز المذكور إلى الحج مر بفاس فلقي عالمها في زمنه بلا مدافع الشيخ حمدون بن الحاج رحمه الله فأوقفه على نسخته من الكتاب التي عليها خط المؤلف فقرظه حمدون بأبيات مرسومة على ظهر النسخة المذكورة وهي من مشطور الرجز:
هذي أصول علوية علت
أصلا وفي سوق ذوي العلم علت
عن غُرر من الجوامع جلت
ومن سوى ما يُعتنى به خلت
بل لم تكن إلا فرائد اجتلت
في نحر طالب وفي النفس حلت
عُرُبُ أبكار بها تدللت
قطوف أفكار بها تذللت
أحكمت آياته ثم فصلت.
وأوردها ابنه العلامة المحقق الطالب بن حمدون رحمه الله في كتابه: “الأزهار الطيبة النشر فيما يتعلق ببعض العلوم من المبادئ العشر” في سياق حديثه عن جمع الجوامع وشروحه وأنظامه..”.
وقد أثني على العلامة سيدي عبد الله الكثير من العلماء والمؤلفين، ووصفوه بأوصاف حسنة، قال العلامة باب بن أحمد بيب العلوي:
والشيخ عبد الله نجل إبرا
هيم أجل العلماء قدرا
عام ثلاث وثلاثين سنه
القبة الزهراء صارت مدفنه
أحيا علوم الشرع حتى ظهرت
وأهلك البدعة حتى دثرت
طود علوم ما له نظير
يزول وهو لم يزل ثبير
قد كاد أن يوصف بالترجيح
لعلمه وفهمه الصحيح
وهو الإمام الحجة العريف
له الفتاوى وله التصنيف
علم الحديث فيه لا يبارى
كأنما نشأ في بخارى.
وقال الشيخ محمد الامين الشنقيطي في الوسيط مترجما لسيدي عبد الله: “علامة نحرير، طار ذكره وانتشر، واشتهر علمه في الآفاق وابذعر، ما عاصره مثله علما وفهما مكث أربعين سنة يرتاد لطلب العلم لم يشبع منه يأخذ عن من وجد عنده زيادة، حتى انتهى إلى الغاية القصوى، جمع أولا ما في الصحراء، ثم أقام بفاس مدة كثيرة للنظر والتحرير وتلقى على البناني محشى عبد الباقي، وتلقى البناني عنه أيضا، فحج ولقي من يشار إليه من علماء مصر، وذاكرهم أيضا وأفادهم واستفاد منهم، وبلغ خبره أمير مصر، ولعله محمد علي باشا فأكرمه، ومن جملة ما أتحفه به، فرس من عتاق خيل مصر المعروفات بالكحيلات، فسئل عنها فقال: جعلتها حطابا “اسم كتاب في فقه المالكية”. ولما اشتهر ذكره بفاس، أرسل إليه السلطان سيدي محمد بن عبد الله، فامتنع من الذهاب إليه، فأمر المخازنية بحمله اليه، على الهيئة التي يجدونه بها، فوجدوه على فراشه يطالع، فأدخلوه عليه على تلك الهيئة، وكان السلطان عالما ويجل العلماء، فلما ذاكره أعجب به، وصار لا يصبر عن مذاكرته، فسأله بعد تسع سنين عن نسبه، فأخبره بأنه علوي وبيّن له.. وفي أول جزء من كتابه نشر البنود على مراقي السعود، المطبوع بفاس ما نصه :قال العلامة الأديب سيدي محمد الطالب بن الحاج رحمه الله تعالى، في الأزهار الطيبة النشر، بعد أن ذكر أن الحافظ السيوطي نظم جمع الجوامع في رجز سماه الكوكب الساطع ما نصه :وكذلك نظمه بعض علماء المتأخرين من علماء شنقيط، وهو الفقيه سيدي عبد الله بن إبراهيم بن الإمام العلوي، المتوفى في حدود الثلاثين ومائتين وألف، في رجز سماه: مراقي السعود. ثم ذكر أبياتا لوالده أبي الفيض سيدي حمدون بن الحاج في مدحه فلتنظر فيه، وقال فيه الإمام العلامة الدراكة الفهامة مالكي زمانه، أبو عبد الله سيدي محمد بن مايابي الشنجيطي الجكني الملقب بالخضر، أبقاه الله ورعاه، وأدام الانتفاع بعلمه وهداه: هو سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم ذي العلم العميم والذوق السليم العلوي، نسبة إلى سيدنا عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه.. من قبيلة من الشناقطة، يقال لها إدوعل، كثيرة بحور العلم، تفقه في بلده بالمختار بن بون الجكني، فريد دهره وعالم عصره، باديه ومصره، وارتحل إلى الحرمين وقضى نسكه، ورجع وصحب البناني بفاس المحروسة الحمى، بحول رب السما، سنين عديدة، أعطته العلوم بأزمتها، فصار من علماء أئمتها، حاو جميع الفنون، كثير الشروح والمتون، ألف هذا النظم المسمى بمراقي السعود، وشرحه نشر البنود، على أصول الإمام مالك رضي الله عنه، لم يأت الزمان بمثله، ولا جاد فيما مضى بشكله، وألف في علم البيان نظمه نور الأقاح، وشرحه فيض الفتاح، جمع من الفنون الثلاثة الدر الثمين، ألغى الغث وأخذ السمين، ونظمه طلعة الأنوار في مصطلح الحديث، وشرحه كذلك، إلى غير هذا من التآليف العديدة، التي لم يبق للطالب بعدها فائدة مفيدة مآثره لا ترام بالحصر، لما نشر الله به في ذلك القطر. اهـ ، كان رحمه الله أوحد زمانه في جميع العلوم، ولم يبلغ أحد من العلماء هناك مبلغه في الحديث، بعد العلامة القاضي بن الطالب العلوي، ولم يزل ذكره يعلو، حتى صار أمير تكانت امحمد بن محمد شين، لا يقطع أمرا دونه مما يتعلق بالشريعة، ولم تشتهر له قصائد حتى نوردها، وإنما له أنظام تدل على قوة سليقته، وهذا أول نظمه مراقي السعود:
يقول عبد الله وهو ارْتَسَما
سُمى له والعلويّ المنتمى
الحمد لله الذي أفاضا
من الجدى الذي دهوراً غاضا
وجعل الفروع والأصولا
لمن يروم نيلها محصولا
وشاد ذا الدين بمن ساد الورى
فهو المجلِّي والورى إلى ورا
محمد منوّر القلوب
وكاشف الكرْب لدى الكُرُوب
صلى عليه ربنا وسلما
وآله ومن لشرْعه انتمى”.
وقال المختار بن حامد في الجزء الثقافي من موسوعته: “العلامة المتفنن الفقيه الأصولي المحدث المفتي المؤلف وهو أحد أربعة يقال إنهم أعلم أهل القطر وهم محمد اليدالي الديماني وعبد الله بن محمد بن القاضي العلوي الشهير بابن رازكة والمجيدري اليعقوبي والمترجم له.
وقال عنه العلامة محمد الأمين بن محمد بيب: “هو العلامة النحرير والعلم الشهير طود العلوم الشامخ وصاحب القدم الراسخ، سليل دوحة العلم والصلاح”، وقال عنه العلامة بدي بن سدينا في كتابه “نزهة المستمع واللافظ في مناقب الشيخ محمد الحافظ” أثناء عده لأشياخ الشيخ محمد الحافظ ما نصه: “ومن أشياخه في رحلته خاتمة المجتهدين، وأحد المجددين، ذو المحاسن الأثيرة والتصانيف الكثيرة من سار ذكره في الآفاق سير المثل، وزان علمه بزينة العمل، وعمت أنواره جميع الخليقة، وجمع بين الشريعة والحقيقة، وكان في العلم ذا منصب عظيم، سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم، وسيدي عبد الله هذا هو ابن الحاج إبراهيم بن محمد بن الإمام العلوي التججكاوي، كان رحمه الله تعالى من العلماء العاملين، وأولياء الله العارفين، كان في ظلمة الجهل سراجا منيرا، وانتفع به الخلق انتفاعا كثيرا، قدمتُ مرة في سفر لي على أهل بلدته فرأيتهم في غاية الإنتفاع به.. سمعت شيخنا ــ رضي الله عنه يعني الشيخ محمد الحافظ ــ يقول ما رأيت مثل سيدي عبد الله في التربية يربي بمسائل الفقه.. وسمعت شيخنا يقول سيدي عبد الله لاتراه إلا في آخرة يترقى دائما ولا يجدب من كان معه، أوقاته كلها معمورة بوظائف العبادات بين تصنيف وتعليم وتذكير وتلاوة قرآن وتفسير وقراءة حديث وإنشاد شيء من أمداح النبي صلى الله عليه وسلم، وله وظيفة من الذكر مائة من الهيللة يذكرها بعد صلاة العشاء وصلاة الصبح، بلغني أن ذلك بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم في رؤيا رآها.. وسمعته يقول علماء غربنا هذا ثلاثة اثنان دوَّنا علمهما وهما محمد اليدالي وسيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم والثالث لم يدون علمه وهو ابن عمنا سيدي عبد الله بن محم بن القاضي ـ ابن رازكه ـ ، وبلغني أن الحاج إبراهيم كان تلميذا لسيدي عبد الله بن محم فسمى ابنه تبركا بذلك فنالته بركة الإسم فأورثه الله علومه، وسمعت من شيخنا ــ رضي الله عنه ــ : سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم بلغ مرتبة الإجتهاد وأن حد الإجتهاد حاصل فيه”.
وقال ابنه محمد محمود في الدر الخالد: “كان رحمه الله لا يبارى ولا يجارى ولا يشق غباره في الفروع والأصول والقواعد والنحو والتصريف والمعاني والبيان والبديع والتفسير والروايات والتجويد والرسم والحديث بتفسيره ومصطلحه والمنطق والتوحيد والحساب والعروض والسير والتاريخ وغيرها .. قدمته العامة والخاصة في ذلك كله من أهل الغرب ــ أي المغرب ــ كله وقال من له دراية إنه في درجة الإجتهاد.. وقال فيه بعض العلماء الحجاج إنه ما رأى من بلاد المغافرة إلى المدينة المنورة مثله مع ما رزقه الله من جودة القريحة فكان إذا سئل لا يجيب حتى يتدبر مدلولات الألفاظ والقواعد والأصول والفصول والأعراف والعمل، وقال فيه بعض أكابر الصالحين إنه أبلغ في الباطن من الظاهر ولذلك لا يراه ولي ولو جل إلا اعترف له بالفضل وسكن تحت لوائه.. كان إليه المفزع في كل فن جامعا بين غزارة الرواية وجودة الرواية وبين الشريعة والحقيقة تضرب به الأمثال في ذلك كله يخاله من يعرفه يحفظ كل شيء، وكان يتقن المذاهب الأربعة على حد السواء وكان كثيرا ما يقول: ليس كذا في المذهب الفلاني أو ليس إلا فيه أو اختلفوا في آية كذا أو حديث كذا ففهم فلان كذا، ولكنه مالكي، وكان يعتمد في التوحيد على مصنفات السنوسي: الكبرى والوسطى”.
وقال الطالب محمد بن أبي بكر البرتلي في فتح الشكور: “كان رحمه الله عالما فقيها أثريا أصوليا بيانيا مفتيا مدرسا يقتصر في الفتوى على محل الحاجة ولا يطيلها، وكثيرا ما يبنيها على الأصول لقرب فن الأصول عنده، فهمه مصيب، أخذ من الفنون بأوفر نصيب، كامل القريحة والعقل، وكان من العاملين معمر الأوقات بالطاعات، جامعا بين الشريعة والحقيقة، سريع الإنقياد والرجوع إلى الحق، قائما بامتثال الأمر واجتناب النهي، متبعا لسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تدوم معه البدعة بل ينكرها ويقول: إذا ظهرت البدعة ولم يتكلم العالم استوجب غضب الله تعالى، فارا بدينه من الفتن، معظما للأولياء والصالحين، أخذته الحمى يوما فأخذ البادسية ووضعها عند رأسه، وقال لها: إن استطعت أن تأتيني مع هؤلاء فتعالي، وكان رحمه الله تعالى محبا للكتب معظما لها، ومن تعظيمه لها أنه لا يجعل الكتاب على ساقه وهو متطهر فضلا عن غير ذلك، وسئل يوما عن تعظيمه لغمد كتاب فقال بديهة: “وظلم الجار إذلال المجير”، رحل إلى الخليفة سيدي محمد بن مولاي عبد الله بن مولاي إسماعيل لطلب الكتب، فاختبره في العلم فأعجبه وعظمه وأعطاه خزانة كتب كبيرة نفيسة جدا، ثم حج بيت الله الحرام لأداء فريضته، ومن خلقه أنه لا يجالس السفهاء”.
وقال الشيخ محمد المامي:
وفي رياض نقول ساقها العلوي
في “الطرد” ما تشتهي منه المحازين
ووصفه العلامة محمد حبيب الله بن مايابا في زاد المسلم بأنه “العلامة المحقق مجدد العلم في بلاد شنقيط”، واستشهد فيه ببعض أنظامه.
وقد توفي العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم رحمه الله ليلة الجمعة عند المغرب من يوم ثمانية وعشرين من ربيع الثاني عام 1233 هـ عن عمر بلغ ثمانين عاما، ودفن ب”القبة” شرقي تجكجَ على بعد نحو ستين كيلومتر وبني على قبره بعد موته بيت، ودفن في هذا البيت بعد ذلك إلى جنب قبره ثلاثة من أخص تلامذته، وهم عبد الله بن سيدي محمود والتقي بن اطوير الجنة الحاجيان والطالب بن حنكوش العلوي، كما دفن في البيت أيضا أربعة من ذريته وهم ابنه محمد المختار بن سيدي عبد الله وحفيده الحسين به عبد الله بن سيدي محمد بن سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم وحفيده الثاني سيد محمد بن محمد الأمين بن محمد أحيد بن سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم وحفيده الثالث محمد الأمين بن محمد بن سيدي محمد بن محمد المختار بن سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم، ورثاه ابنه محمد محمود بقصيدة يقول فيها:
أفاض على جأشي وشاك جنان
دماء شؤوني أعظم الحدثان
سقاني كؤوسا من طلاء وعلقم
فأمرر بما قد كان منه سقاني
إلى أن يقول:
ولكن شجا قلبي تأيم عزلة
عفائف لم تلمس بوجه بنان
من الفقه والتصريف والنحو حرمت
على الصب ذي الأسواق والهيمان
وقد عرجت ساق القواعد بعده
كما كسفت أنوار شمس بيان
وعينا أصول العلم ما تنعما معا
كعيني حديث المصطفى تكفان.
ورثاه العلامة الكبير سيدي محمد بن محمد الصغير بن امبوجه العلوي بقصيدة قال فيها:
أفض يا إلهي صيِّب الرحمات
على جدث فيه سنا الظلمات
قريع المعالي غاية المجد والعلى
حليف الندى المغواث في اللزبات
سمت عمد الأبرار قبل انضوائه
إليهم فأضحت عنده فضلات
وأوضح أعلام الشريعة فانجلت
معارف كانت قبله نكرات
رزئنا ولما نرز قط بمثله
على الرغم يا للدهر من حولات
فيا لك من مجد تقوض ركنه
حبيت به يا وادي الرحمات
ويا سمرات الواد كن كمثل ما
تشأن ليهنئكن من سمرات
سقتكن ما دمتن واهية العرى
سوى ما سقيناكن بالعبرات
ولو أن حيا كان يفدى من الردى
فدينا الذي فيكن بالمهجات
عليكن منيَّ السلام مشيعا
بنفس شجون لم تعج بحياة
سلام يعم القاع طيبا أريجه
على عدد الأنفاس واللحظات”.
ورثاه ابنه وريث علمه سيدي محمد بقصيدة مطلعها:
هو الدهر لا يثنيه عن عزمه سد
يروح ويغدو يعتمي من له جد
ومنها:
حسام يمان غمده الحلم والتقى
مجن لنا دون المكاره بل سد
جزاه إله العرش خير جزائه
عن الدين والدنيا فنعم هو العبد
وأنزله أعلى المنازل عنده
به الراح والريحان والروح والخلد
ولا زال واديه مريعا مباركا
يصوب به سيب ويجري به مد
هنيئا لك الفضل الذي سار ذكره
فقد حل فيك البدر والبحر والند
عليكم سلام كالرحيق من ابنكم
يفوح بنشر المسك ما طلع السعد”.
وأشار إلى تاريخ وفاته بقوله:
قضى أبي سيّد عبد الله
في سنة (البشر) على انتباه
ليل (حيٍّ) من ربيع الثاني
بعد غروب الشمس والأذان
وليلة الوفاة تدعى الجمعه
جمعنا الله بجنة معه.
وللعلامة سيدي عبد الله كما في فتح العليم من الذكور عشرة بلغ منهم سبعة وخلفوا جميعهم، وهم محمد ومحمد محمود وسيدي محمد ومحمد أحمد ومحمد الأمين ومحمد المختار ومحمد أحيد، وله ثمان بنات، وقد ورثوا علمه وفضله رحمه الله تعالى وجزاه عن الإسلام خيرا.
كتبه محمدن ولد امد أمين الثقافة بالمنتدى العالمي لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وسيتواصل بإذن الله تاريخ موريتانيا الإيجابي بأمر من شيخنا الشيخ علي الرضى بن محمد ناجِ رئيس المنتدى العالمي لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، حفظه الله ورعاه وأيده بنصره.