السبت , 7 ديسمبر 2019
الرئيسية » تراجم » الشيخ محمد فاضل بن مامين
الشيخ محمد فاضل بن مامين

الشيخ محمد فاضل بن مامين

تاريخ موريتانيا الإيجابي يتواصل بأمر من الشيخ علي الرضا بن محمد ناجي حفظه الله ورعاه
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فسنواصل على بركة الله ما أمرنا به شيخنا الشيخ علي الرضا بن محمد ناجي رئيس المنتدى العالمي لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم من الترجمة لأعلام بلاد شنقيط من علماء وأبطال ومحبين ورجال مقاومة، من شرق موريتانيا إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها، وفق ما يطلق عليه شيخنا حفظه الله ورعاه: “تاريخ موريتانيا الإيجابي”، وسنترجم اليوم للعلامة الشريف الشيخ محمد فاضل بن مامين، والله المستعان وعليه التكلان
الشيخ محمد فاضل بن مامين
هو النجم الزاهر والبحر الزاخر عالم الأولياء وولي العلماء الشيخ محمد فاضل بن الشيخ محمد الامين “مامين” بن الطالب اخيار بن الطالب محمد بن اجيه المختار، ولد الشيخ محمد فاضل بولاته يوم الأحد في سبعة وعشرين من شعبان عام أحد عشر بعد المأتين والألف (١٢١١هـ)، (٢٦ فبراير ١٧٩٧م)، قال ابنه الشيخ محمد تقي الله :
وشيخنا الفاضل نجل مامين :: ولد عام “أيْرش” يا سامعين
من بعد هجرة النبي المصطفى :: صلى عليه ربنا وشرفا
نشأ الشيخ محمد فاضل في بيت صلاح وفضل مشهور، كان أبواه صالحين تقيين قال العلامة الطالب بوبكر المحجوبي الولاتي في كتابه “الفتح المبين على مناقب الشيخ محمد فاضل بن مامين”: “أخذ الطريقة من أبيه الشيخ محمد الأمين العابد الزاهد ذي المناقب الشهيرة والكرامات الكثيرة، كان لا يفتر عن ذكر الله تعالى طرفة عين متواصل الأحزان من خشية الله، وكان مبرور القسم على ربه لا يقسم عليه في شيء إلا أبره فيه، ومن كراماته أن زوجه الله تعالى والدة شيخنا اخديجتن بنت الطالب أبي بكر ولية الله وبنت وليه فكانت رضوان الله عليها من أخشى الناس وأتقاهم له وأعرفهم وأزهدهم في الفاني وكانت لا تتكلم إلا بسبحان الله وأكرمها الله تعالى بكرامات وهي أنها إذا أشارت لبعض عمالها بسبحان الله فهم مرادها وترجم عنها، وكانت لا تخرج من بيتها”.
ينتمي الشيخ محمد فاضل إلى أهل اجيه المختار من القلاقمة الذين ينتمون إلى الأدارسة الشرفاء الحسنيين، قال العلامة الطالب أخيار بن مامين في كتابه “الشيخ ماء العينين علماء وأمراء في مواجهة الإستعمار الأوروبي”: “الشيخ محمد فاضل بن مامين هو أشهر من أن يعرف به، فقد ألفت كتب مستقلة عليه، يتصل نسبه بالإمام إدريس بن إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى، كان إماما من أئمة المسلمين، وعلما من العلماء العاملين ذائع الصيت، محل تقدير عند العامة والخاصة، وكان من أقطاب الصوفية في زمنه ومن العارفين بالله، وإليه تنسب الطريقة الفاضلية في موريتانيا والمغرب والسنغال وغيرها”.
ومن ترجمة الشيخ محمد فاضل في جزء القلاقمة من كتاب حياة موريتانيا للمختار بن حامد: “أما الشيخ محمد فاضل بن مامين فهو العالم الصالح الصوفي المربي الشهير أفرده بالتآليف رجال منهم الطالب بوبكر المحجوبي الولاتي ومحمد فاضل بن الحبيب بن الداي من أهل الطالب عثمان اليعقوبيين في كتابه الضياء المستبين في كرامات أبناء مامين والآيات البينات وغيرهما، قال في الضياء المستبين: الشيخ محمد فاضل وأبوه الشيخ محمد الامين وأبوه الطالب اخيار وأبوه الطالب محمد بولنوار وأبوه الجيه المختار وأبوه الطالب الحبيب ليس بينهم واحد إلا وله إخوة معروفون بالولاية، وكان ورد الشيخ محمد فاضل أربع عشرة ختمة من القرآن في اليوم والليلة، ومائة ركعة بعد العشاء وخمسين ركعة قبله، وكان قارئا بالسبع فارا بدينه من الفتن.. وسائر أوقاته ما بين ذكر وفكر واستنباط وقراءة مصحف مكرما للضيف منفقا على الفقراء.. وله كرامات عديدة، ومن أعظم كراماته أن أعطاه الله عددا من الأولاد فأصلحهم له جميعا ذكورا وإناثا، وجعلهم علماء أتقياء وسخر لهم المخلوقات فلم يضع أحد منهم قدمه في أرض إلا وضع له القبول في قلوب أهلها وكان له أتباع كثيرون.” اهـ
وقال الدكتور سيد أحمد ولد الأمير في تحقيقه لكتاب “تاريخ أهل الشيخ ماء العينين”: “هو الشيخ الفاضل والعالم العامل وأبو المشائخ الأكرمين، كان قارئا بالسبع فقيها نشر السنة وأحياها وأُخمد به البدع، ينتسب الشيخ محمد فاضل إلى أهل الجيه المختار وهم أسرة شرف حسبما ذكره النسابون الموريتانيون، وكان من العباد النساك.. وله من الأبناء ثمانية وأربعون، كانوا نعم الخلف لخير السلف، وقد ظل الشيخ محمد فاضل خلال عمره فارا بدينه من الفتن مخصصا سائر أوقاته للتدريس أو العبادة أو التفكر، وقد تخرج على يديه طلاب وشيوخ كثيرون”.
وفي المجموعة الكبرى للدكتور يحي بن البراء عند ذكر الطريقة القادرية: “وقد تأسست هذه الطريقة على يد أحد أبرز الوجوه العلمية والدينية في منطقة غرب وجنوب غرب الصحراء، وهو الشيخ محمد فاضل الذي يرجع نسبه إلى القلاقمة إحدى تفرعات الأدارسة الشرفاء الحسنيين. وقد أخذ الطريقة القادرية مسلسلة عن آبائه إلى حد الجد السابع”. اهـ
سلك الشيخ محمد فاضل مسلك آبائه الصالحين في العبادة والتقوى والتحنث والتبتل ومحاسن السلوك ومكارم الأخلاق، ووصف العلامة الطالب بوبكر المحجوبي في كتابه الفتح المبين ما كان عليه الشيخ محمد فاضل من عبادة وتحنث وحسن سلوك ومكارم أخلاق فقال: “اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضاه أن الشيخ محمد فاضل علمه الله القرآن يرضى برضاه ويغضب بغضبه، وكان حسن الخلق والخلق، لا يواجه أحدا بما يكره ولا يراه أحد إلا أحبه.. وكان إذا أحرم في الصلاة يسمع أزيز قلبه كأزيز المرجل من شدة الخشوع، لا يسمع قراءته أحد إلا خشع قلبه واتعظ وكان يقرأ قراءة مرتلة لو شاء العاد أن يعد حروفها لفعل، وكان أوجز الناس في الصلاة مع التمام، وكان يقرأ في غالب أحواله في صلاته بسورة لإيلاف قريش والفلق في الثانية، وكان إذا صلى الصبح جلس في المسجد متوجها إلى القبلة عاكفا على الأذكار لا يكلم أحدا ولا يكلمه أحد حتى تطلع الشمس ثم يتنفل فحينئذ يسوغ تكليمه لأهل الحاجة، وكان إذا صلى العصر جلس في بيت خلوته ولا يأتيه أحد في ذلك الوقت عاكفا على أوراده حتى تغرب الشمس.. وكان إذا صلى المغرب أقبل على صلاة النافلة حتى يصلي العشاء، وكان إذا صلى العشاء ذهب إلى بيته لأمر الضيافة، وكان يقوم بالقرآن يرتله ترتيلا وكان قليل النوم في الليل، وكان كثير الصيام وربما صام يوما وأفطر يوما، وكان أكثر الناس احتياطا في أمر دينه مع اتباع السنة في أموره، وكان سخيا من الأسخياء يصل القريب والبعيد بمعروفه، وقد جبله الله على الأخلاق الفاضلة، وكان كثير المجاهدة لنفسه، وحدث عن نفسه أنه مكث فترة من الزمن ما نام ليلا ولا نهارا حتى قال له شيخه سيد المصطفى لقد أمرتك بنوم ساعتين من الليل، وكان في صغره مكث عن الأكل والشرب أربعة وعشرين يوما ما أكل ولا شرب، وهذا كله في بدايته لأن من كانت في الله بدايته كانت على الله نهايته قال ابن عطاء الله برد الله ضريحه: من علامات النجح في النهايات الرجوع إلى الله في البدايات من أشرقت بدايته أشرقت نهايته. انتهى. وكان رضي الله عنه يحدث أنه أعطاه الله في شبابه من القوة ما لا يكاد أحد من الناس يناله “.
وقوله: “وما رآه أحد إلا أحبه” تلك سمة أبقاها الله في عقبه مع ما أبقاه فيهم من علمه وصلاحه وفضله، قال المختار بن حامد:
متى تر من بني مامين شخصا :: سمحت له بممحوض الوداد
ترى نور الهدى في الوجه منه :: فتنبعث المحبة في الفؤاد
وقد تربى الشيخ محمد فاضل أحسن تربية على يدي أبويه المذكورين، قال المحجوبي: “فلما بلغ خمس سنين أتيا به إلى المكتبة عند المختار بن أبابك فحفظ كتاب الله في مدة قليلة وكان يكتب بيده في لوحه حزبا في أول النهار ويحفظه ثم يكتب آخر النهار حزبا آخر ويحفظه بمجرد نظره في اللوح، وإذا أخذ المعلم لوحه لم يجد ما يصلحه فيه، ثم حفظ في تلك المدة بعض الكتب وقصص الأنبياء وسيرهم وآثار الصالحين، فلما بلغ تسع سنين تتلمذ على أبيه مامين وبايعه، فعلمه الأسرار والحكم، وكان لا يغفل عن الذكر بـ لا إله إلا الله وكان الصبيان يلقبونه بصاحب لا إله إلا الله، فلما بلغ خمسة عشر سنة أجازه أبوه وأعطاه عمامته وقال له اذهب حيث شئت، فذهب إلى ابن عمته الطالب بن الحسن وقرأ عليه رسالة بن أبي زيد في زمن قليل، ثم ذهب إلى شيخه سيدي المصطفى بن عثمان بن الكيحل من ادويجه”، اهـ
وقد أخذ الشيخ سيدي المصطفى ابن الكيحل عن العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي، وقد أتم الشيخ محمد فاضل عنده المختصر في شهرين حفظا، كما في الضياء المستنير في كرامات شيخنا الشيخ محمد فاضل بن شيخنا الشيخ مامين للعلامة محمد فاضل بن الحبيب اليعقوبي، الذي ألفه في حياة شيخه الشيخ محمد فاضل.
وللشيخ محمد فاضل اليد الطولى في العلوم كلها فقها وحديثا وقرآنا ونحوا ولغة ومنطقا وبيانا وهندسة وغير ذلك، وكان علم العربية من أحب العلوم إليه، وألف نحو الخمسين أو الستين تأليفا، ومن تآليفه التيسير، وفقه المنى، والستر الدائم للمذنب الهائم في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والتبيين للطالبين، ومطية المُجد في التصوف، والتوضيح في علم العروض، وتأليف في علم الأصول، ومختصر على ألفية ابن مالك، ومنظومة في اللغة تنيف على ألفي بيت، وله شرح نفيس على منظومة الأخضري المسماة الجوهر المكنون، ومجموعة من النوازل الهامّة، وقد نظم أسماء الله تعالى الحسنى عشر مرات كما ذكر في الفتح المبين.
ظهر على يدي الشيخ محمد فاضل الخوارق العجيبة والمكافشات الغريبة، وفي كتابي الضياء المستبين والفتح المبين جمل من ذلك نورد بعضها ههنا، ففي الفتح المبين: “وكان يوما بعد العصر جالسا في مكان بعيد من الناس معتكفا على أوراده حتى سمع صوتا عظيما كالرعد ورأى شخصا فظيع الخلقة أكبر قدرا من الجبل على نحو صورة السلحفاة قد سد الأفق كأنه يريده فلما رآه قال له: يا بني لو كنت أخاف غير الله لخفت من ذنوبي لأنها أكبر منك وأفظع وأقبح وأحق أن أخاف منها، ثم رده الله خاسئا وحرقته النار، ومات بين يديه، وحكي أيضا أنه كان يرقي صبيا من مس الجان إذ أتاه عفريت من عفاريت الجان وبيديه مدفع كبير فمكنه منه يريد قتله، فقال عند ذلك: بسم الله الرحمن الرحيم، فجاءت طائفة من جنود نصر الله وأخذوا المدفع من العفريت وقتلوه وبرئ الصبي من ساعته، ومن ذلك أيضا ما ثبت وصح أن أباه الشيخ محمد الامين قبل تزويجه بأم هذا الولي رأى وهو بين النائم واليقظان أنه رأى شمسا والناس يرمونها كلهم ويخطئونها فلما رماها هو أصابها فسقط في حجره منها قطع حسان وخرز والوسطى من تلك القطع أنور من الشمس وأكمل ضوء وأزهر والخرز حسان أيضا، فأتى معبر الرؤيا فلما قص عليه رؤياه ابتهج المعبر واستبشر، وقال له سيزوجك الله ولية من أوليائه وستلد منها ثلاثة بنين هم قطع الشمس وبنات هن الخرز وأوسط الأبناء الذي قبله أحدهما وبعده أحدهما سيكون أبلغ في عالم الغيب من الشمس في عالم الشهادة”.
وفي الضياء المستنير: “ومن ذلك ما وقع في بدء أمر الشيخ، فقد ثبت عندي بالتواتر أن “ظالما” أخذ لهم كبشا يريد ذبحه فقال له الشيخ: والله لئن ذبحته لا يسبقك للموت، فذبحه فما رفع السكين حتى وقع ميتا في دم الكبش، ومن ذلك ما روي أن “ظالما” أتى إلى الشيخ وحلف ليأخذن اليوم من الأموال ما يحب ولا يردها فقال له الشيخ: اذهب إلى وجهتك فوالله لا يراك بعد اليوم الأحياء ولا الأموات، فسار إلى وجهته وما رآه قومه بعد ذلك الوقت ولا رآه أحد، فكان مثلا يضرب عند الناس، وكان لا يخبر بأمر إلا ريء وكان إذا وعد أحدا منا بمزية إلهية نالها كما وعده، وأنواع مكاشفاته عجب لا يوصف وكان ذلك منه في البدء وأما الآن فإنه على وجه الإشارة التي لا يفهمها إلا الفاهم النحرير الملازم البصير، وفيه راويا عن محمد فال بن زروق: “وشاهدت فيه في تلك المدة -يعني زمن حفر بير انگمل- آيتين عظيمتين أما إحداهما فإنا قطعنا لتلك البير خشبة عظيمة فلما سقطت ما قدرنا على تحريكها من محلها فأخبرناه بذلك فذهب معنا إليها فلما أتيناها قال: خذوا بسم الله فما مستها أيدينا حتى كنا نراها طائرة في الهواء تجري بنا من غير ضغط لأحدنا ولا إعياء عليه ولا ثقل، قال فلما وصلنا بها البير وأردنا جعلها على فم البير نزل رأسها على يد أحدنا فكسر عظامها كلا من ساعد وغيره كعظام الأصابع والكف وغير ذلك فأريناه إياه فأخذ اليد وضمها بيده الكريمة وقال لاباس عليك فصار كأنما نشط من عقال وجعل يعمل معنا في حينه ذلك مستوي اليدين”.
وقال الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل في كتابه نعت البدايات: “لما قدمت مكة زادها الله شرفا وجدت بها وليا من أولياء الله مثله في تلك البلاد لا يجهل يقال له عبد الرحمن أفندي ومعنى أفندي الشيخ فتلقاني رحمه الله ورضي عنه وأرضاه بشيء من الترحيب والتبجيل لا يوصف ولا يكيف وأعطاني من الهدايا الحسنة ما لا مثل له ويكفي من ذلك أن منها اثني عشر قالة أي ذراعا من لباس الكعبة الشريفة فتعجبت من ذلك غاية العجب فلما تعجبت قال يا فلان لا تعجب إنما فعلت لك هذا لأمرين أحدهما أن أباك الشيخ محمد فاضل بن مامين أرانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ خمسة أعوام وقال لي إنه خليفته اليوم في الأرض وإني أحج عنه ومن ذلك العام وأنا أحج عنه وأدعو الله كل يوم وليلة أن يأتيني بنفسه أو يأتيني بأحد من ذريته أو من تلامذته وأعطاني أمارة شيخنا رضي الله عنه حرفا بحرف حتى لم يدع له قامة ولا لونا ولا أمارة في بدنه إلا أعطانيها كما هي”.
وقد أنجب الشيخ محمد فاضل باثنين وخمسين ولدا، كما ذكر حفيده العلامة الطالب أخيار بن مامين، وقال إنهم عقبوا كلهم إلا اثني عشر ذكر أسماءهم، وفي رسالة الطالب محمد الأمين ولد محمد فاضل “الشيخ محمد فاضل بن مامين حياته وآثاره”: “لقد أعطاه الله من البنين والبنات مائة ولد ثلاثة وخمسون منهم من الرجال وسبعة وأربعون من النساء، إلى أن قال: وقد أشار إلى عدد أبناء وبنات الشيخ حفيده الشيخ بنن ولد الشيخ الطالب أخيار ولد الشيخ ماء العينين بقوله:
أبناء شيخنا الكبير الفاضل :: غوث الأنام كافل الأرامل
ذكورهم “نج” من الآفات :: جميعها و”زم” للبنات
وكان إذا بلغ الصبي من بنيه خمس سنين يأمره بذكر الله تعالى، ويدوم لهم على هذا الحال حتى يكون الذكر غريزة فيهم، ثم إنه يتخولهم بكلام الحكماء ويعظهم بالمواعظ الحسنة ويحثهم على مكارم الأخلاق والمروءة، كما في الفتح المبين وقال فيه: “وقد أخبر هو رضي الله عنه أنه كان ذات يوم يمشي وهو صغير لم يبلغ الحلم مع جده لأمه الطالب أبو بكر فأخذه وقبل رأسه وقال له أبشرك يا بني بأن ذريتك كلهم صالحون ذكورها وإناثها”.
وأورث الشيخ محمد فاضل أبناءه خصاله الطيبة المذكورة، وسرى فيهم من صلاحه وفضله وعلمه وكرمه وطيب أخلاقه وحسن شيمه سر عظيم،
يقول شيخنا الشيخ علي الرضا بن محمد ناجي حفظه الله ورعاه في رثاء الشريف سيدن بن الشيخ الطالب بوي بن الشيخ سعد بوه بن الشيخ محمد فاضل:
كم بدل الدهر بالأفراح أحزانا :: قدما وكم فارق الإخوان إخوانا
أين الملوك وأبناء الملوك ومن :: قادوا الأعنة أبطالا وفرسانا
أين القدود وربات الخدود ومن :: في الحسن حاكين ياقوتا ومرجانا
كل رمته سهام الموت صائبة :: حتى تبدل بعد العرف نكرانا
لكننا وصروف الدهر مفجعة :: نرضى بما قسم الرحمن مولانا
قضى بفقد الهمام الندب سيدنا :: من بذ في الخير أقرانا وخلانا
بنى له الجد أمجادا مشرفة :: فشاد في قنة الأمجاد بنيانا
يا رحمة الله أمي قبره أبدا :: سقيا وسحا وتوكافا وتهتانا
ويا بني الشيخ نعم الشيخ جدكمُ == سعد أبيه الذي فاق الورى شانا
لا زالت الناس من بعد تؤمكمُ == لنيل حاجاتها بيضا وسودانا
ودام كعبكمُ يسمو ومجدكم ُ == يعلو ودمتمْ لباغي الخير عنوانا
آل الصعيدي وافتكمْ مبجلة == لتقبلوها على المعروف أعوانا
كيف التجافي وعهد الحق يجمعنا==والأصل يربطنا والدين مسعانا
وقال الشيخ باب بن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيدي حين سلم الشيخ سعد بوه مؤلفا من مؤلفاته:
إن هذا التسليم يا ناظريه :: أحسن الشيخ فيه سعد أبيه
بان فى نثره الصواب وأما :: نظمه فالبيان قد بان فيه
حاسديه رويدكم قد تعبتم :: قصروا عن مداه يا حاسديه
من يكن من بنى النبي انتسابا :: واتباعا فإنه من بنيه
وانتقاص تشبيه غير شبيه :: فى العلى كلها بغير شبيه
ينتهى القول دون مبلغ حبر :: كامل الفخر فى الورى منتهيه
ويقول العلامة محمد فال (ببها) بن محمذن بن أحمد بن العاقل يمدح الشيخ سعد بوه بن الشيخ محمد فاضل:
مطلع الغرب لاح ويحك فيه :: ســعد خير مذ لاح سـعد أبيه
سعد خير ينمى إلى كل سعد :: زاخر اليم أريحي نبيه
نال ما نال في صباه ولما :: يعْد عشرا مضت له من سنيه
قل لمـن قال إن للغـوث شبها :: أو نظيرا في قـطرنا أرنيـه
ويقول العلامة أحمد بن محمد بن محمد سالم المجلسي في مدح شيخه الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل:
سرى طيف من يهوى فعاوده الجهل == وثار لمسراه الوساوس والخبل
فدع عنك ذا واذكر بلاء مشايخ == بذكرهمُ سحب السعادة تنهل
فمدحهمُ غنم وحبهمُ هدى == وخدمتهمْ زين وصحبتهمْ فضل
بعيشك روحْني وشنف مسامعي == بما استطعت من ذكر الذي همْ له أهل
لقد ورثوا المختار من آل هاشم == ولا عجب في إرث والده النجل
همُ القوم من يشهد مجالسهم يفز == فثق بالأماني إن يصلك بهمْ حبل
ترى كل فدم جاهل ذي غباوة == متى ينتسب يوما لعليائهم يعلو
ويفتح له ما كان من قبل مرتجا == ويصبح بهم والصعب من أمره سهل
ومن جاءهم مستكفيا ما أهمه == يلاقيه ثم البشر والنائل الجزل
وتسري حُميا البُرء في داء قلبه == وقالبه والمر من حاله يحلو
وتنقاد منه النفس بعد إبائها == وتصمي أعاديه الأسنة والنبل
ويأمن في مسراه مما يخافه == وبعد خفاء تستبين له السبل
وفارقه ما يشتكى من رعونة == ودام له التقريب واتصل الوصل
وتلقاهمُ والبر والنسك والوفا == سجاياهمُ والصفح والزهد والبذل
وإحياء قلب مات قدما من الهوى == شمائل قد كانت لآبائهم قبل
فقل للذي يسعى لشأوهم اتئد == فليس الجواد الصرف يشبهه البغل
وهل للسهى أن يستقل مبارزا==لشمس الضحى والصحو عن وجهها يجلو
ويمم إماما طاب طبعا ومحتدا == ألا حبذا تلك الطبائع والأصل
وألق عصى التسيار منه بذي ذرى == يحط به للبائس الوجل الوحل
تنل عندما تأتيه منه مواهبا == تقاصر عنها أن يحاكيها الوبل
ويقول العلامة الشيخ محمد عبد الله بن تكرور الموسوي في مدح شيخه الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل:
ألا فابك سحا فالبكا لك واجب :: فذي دار ليلى قد عفتها السحائب
لقد طال وجدي بالغواني ولوعتي :: وإنيَ دهري في هواهن سارب
كما طال أن يشتاق شيخي إلى العلا :: وترنو إليه المكرمات العوازب
من الحسنيين الهاشميين خارج :: وفاطمة الزهراء نعم المناصب
قريش ذرى الأشراف من كل محتد :: وآل رسول الله منهم ذوائب
فطابت له أصلا وفرعا وشيمة :: وفضلا وإحسانا علينا المناقب
هو البحر بحر الحلم والعلم والتقى :: له الحلم موج والعلوم غوارب
ففيه من العلم الحقيقي ما به :: وفيه من الجود التليد عجائب
تحلى علوم الدرس مذ كان يافعا :: وشالت به فود النعام المذاهب.
وهو الذي يقول فيه:
إذا زفرات الشوق لاحت رمينني :: تريكا على وجه العرا أتقلب
فطورا تراني من هواكم مبربرا :: كأنيَ مجنون وطورا أهبهب
ومن قصيدة لمؤرخ موريتانيا وشاعرها المختار بن حامد يمدح بها الشيخ سيداتي بن الشيخ الطالب بوي بن الشيخ سعد بوه:
أصابع العسل الصافي همُ فلهمْ == معسول طبع يسوغ اللعق من ضربه
سيما تميزهم عنا تذكرنا == بأن في الخمر معنى ليس في عنبه
لا تنكر العين ذاك الفضل عن رمد == ولا فم الوصب المصفور عن وصبه
ولا يكذب هذا بل يحققه == من كان يعرف صدق القول من كذبه
إذ ليس يفضل في إدراكه نبه == ولو نقيرا وأدنى منه غيرَ نبه
كرامة لبني مامين تصدر عن == تقواهمُ وصدور الشيء عن سببه
في مشرق القطر قد شاعت ومغربه == في سهله وثناياه وفي هضبه
غيظ الحسود لها واهتز من طرب == لها صديقهمُ لا زال في طربه
ما في بني الطالب المختار جدهم == إلا كريم يباري الغيث في سحبه
و كوكب يهتدى في المشكلات به == كالليل يهديك ما تختار من شهبه
قبيلة وضع الله القبول لها == في الشعب مقترب منه ومغتربه
هذا ثناء عليهمْ لا أريد به == من فضة الوقت تعويضا ولا ذهبه
وإنما دعوة أبغي بعافية == إن الدعاء بها لا بأس في طلبه
ويقول العلامة محمد العاقب بن مايابى الجكني يخاطب أبناء الشيخ محمد فاضل من قصيدة له في شيخه الشيخ ماء العينين:
أنتم بني فاضل لا ثُل عرشكمُ = أهل اللواء بناة المجد والحسب
جيرانكم من بغاة الضير في حرَم =ومالكم من بغاة الخير في حرَب
وهو الذي يقول ناظما مراتب التقوى من مجلس للشيخ ماء العينين:
حضرت مجلس إمام النصحا :: ماء العيون بعد أن صلى الضحى
يحدث الناس بدين أحمد :: وهْو يقول جالسا في المسجد
إن التقى وهْو أعز ما اكتسب :: ذو همة يأتي على خمس رتب
تقى يخلص من الخلود :: وهْو اتقاء الشرك بالمعبود
وما يقي الدخول في الجحيم :: هو اتقاء الزلل العظيم
وما ينجي من عذاب المسلم :: في قبره هُو اتقاء اللَّمم
و ما ينَجي من مصائب الدنا :: هو اتقاء الشبهات والخنا
و ما به تستجلب الأفراح :: هو اتقاء بعض ما يباح
فملت مصغيا لما حكاه :: وصافحت يديتي يداه
أعاده علي حتي استكملا :: حديثه كما حكاه أولا
وكان والده سيدي عبد الله بن مايابى من أبرز تلامذة الشيخ محمد فاضل، ومن مشاهيرهم من غير أبنائه كذلك محمد فاضل بن اعبيدي ومحمد فاضل بن الحبيب اليعقوبي وسيدي المصطفي بن محمد الكيحل، فلقد كان الشيخ محمد فاضل بحرا مورودا وكهفا مقصودا يؤمه الطلاب من كل نجد وغور ينهلون من علمه وفهمه ويقتبسون من نوره وبركته، وكان رفيقا بهم هينا لينا يامرهم برفق ويبشرهم ولا ينفرهم ولا يكلفهم من العمل ما لا يطيقون، وكان قائما بأمر الدين مجددا له من إقامة رسوم الدين وعلومه والقيام بالمصالح الدينية والدنيوية بعد إشادة منار العلم وتمهيد قواعده من تعليم ووعظ وتذكير وتنبيه غافل وإرشاد ضال، وكان يربي تلامذته بمقتضى الكتاب العزيز والسنة النبوية ويامرهم بالإكثار من ذكر الله تعالى ويحضهم عليه، وبمجاهدة النفس للتربية والسلوك وبذلك تنال المقامات وعلو الدرجات، وعلى هذا الطريق سار المشائخ من بعده، قال الشيخ التراد بن العباس بن الشيخ الحضرامي بن الشيخ محمد فاضل بن مامين:
نيل الوصول بلا جد ولا تعب = ولا بشيخ ولا زهد ولا أدب
ولا بمهيع خير العجم والعرب = هذا لعمرك محض الزور واللعب
توفي الشيخ محمد فاضل ليلة الجمعة 10 محرم 1286 هـ ـ 1869 م، قال الشيخ سعد أبيه بن الشيخ محمد فاضل في كتابه الخواتم: “فلما حضرته الوفاة ليلة الجمعة ليلة عاشوراء التفت إلى أبنائه وقال لهم مسجدَكم وضيوفَكم مرارا، فانظروا ما في هاتين الكلمتين من الحض على الدين والمروءة، ثم كرر الرفيق الأعلى مرارا ثم اشتغل في سبحته فما راعهم إلا سقوطها من يده فعلموا أنه قد مات رضي الله عنه لأنها لم تسقط من يده قبل ذلك قط”.
وأشار الشيخ ماء العينين إلى وفاته بقوله:
وقد توفي بِ”وفْرش” نمي == في ليل جمعة بِ”يا” المحرم
وضريح الشيخ محمد فاضل بدار السلام وفيها يقول الشيخ التراد بن العباس بن الشيخ الحضرامي بن الشيخ محمد فاضل:
بشراكَ يا قلب ذي دار السلام بـدت == فـنار آفات ما تخشاه قد خمدت
بها الإمام الذي تقضى مآربنا == بجاهه وبـه حــالاتـنـا حُـمـدت
فـما بــذا الـقطر من أمسى يعارضه == ومــا سـمعـنا بأنثى مـثلَه ولَـدت
كـم عصبة بعد جهل كـان يـغمـرها == مـن نوره صدرت مـن بعدما وردت
وكم قـلوب بـه من خـوفها أمـنــت == وكـم جباه به لله قـد سجدت.
رحم الله السلف وبارك في الخلف، وأقول قول أخينا وتلميذ شيخنا شاعر الأمة محمد ولد اعليَّ في رثاء الولي الصالح المشهور اعل الشيخ ولد امم ولد الشيخ محمد تقي الله ولد الشيخ محمد فاضل:
والحمد لله الذي أبقى لنا == من بعده من لا تلين قناته
أبناؤه الغر الميامين الذين خطت بهم نحو العلا خطواته
قد أشبهوه في علاه فكلهم == بصفاته انتقلت إليه صفاته
وقفاتهم وقفاته نفحاتهم == نفحاته بركاتهم بركاته
وسأثبتها هنا هذه القصيدة تامة لحسنها:
ما للفؤاد تضاعفت خفقاته == والليل تطبق فجأة ظلماته
وعيون شنقيط يغشيها الأسى == حزنا فلا وجه ترى بسماته
والناس تسبح في حريق مشاعر == متأجج لا تنطفي جمراته
وكأن صاعقة هوت فوق القلوب == فكل قلب سُددت طعناته
وأنا أسائل ما هو الخطب الذي == في كل شيء أثرت هزاته
فتجيبني حتى الحجارة والحصى == شيخ العلا اعل الشيخ صاح نعاته
لم يبق في قلب االصبور تصبر == مذ أعلنت عبر الأثير وفاته
أبكيه أم أبكي مناقبه التي == ألقت بهن إلى الذهول مماته؟
فالبر يعثر في ثياب حداده == والزهد تجثم فوقه مأساته
والمكرمات عويلها متواصل == والحلم ضجت في الفضا صرخاته
والعلم يهوي كالولاية جاثما == قد نكست من حزنه راياته
والفضل تائهة خطاه فما له == مأوى يفر طويلة وثباته
وتحسر الإنفاق فهْو مشتت === من بعد أن جمعتْ له أشتاته
وتيتم الوطن الحبيب فأصبحت == دون المعيل جياعه وعراته
وبلا كساء في الشتا فقراؤه == وبلا نعال في المصيف حفاته
فبأي قول سوف أندبه وقد == ندَبتْه من قبل اللغات سماته
وبأي مرثية سأرثيه وقد == أعيت بلاغة مادحيه صفاته
ما كان عمر الشيخ إلا مغنما == فتنازعَتْه صَلاته وصلاته
القرب من أهل الحوائج حاجه == والبعد عن شهواته شهواته
وهب الضعاف حياته فكأنه == مولى وهم أسياده وولاته
وحقيقة الدنيا قد انكشفت له == فخلت به عن حبها خلواته
حتى تمَلّكها وأرغم أنفها == خدامة تسعى بها خدماته
شيخ لآل البيت ينمى سمته == سمت النبي وكالأناة أناته
لجأت إلى يده شريعة ربه == ولنشرها قد فرغت أوقاته
ما كان غير الله يشغل باله == وسواه ما اشتغلت به خطراته
شيخ وفاة للسخاء وفاته == وفوات غر المكرمات فواته
ملأتْ مسامعنا مدى أيامه == وثباته نحو العلا وثباته
سهم المنية للحياة مسدد == ما أخطأت هدفا له طلقاته
رحل الولي فكلنا متأسف == سكنت شغاف فؤاده حسراته
لولا الزفير لأغرقت عبراته == لولا الدموع لأحرقت زفراته
يا رب وسع نزله في جنة == تسعى به في روضها حسناته
والحمد لله الذي أبقى لنا == من بعده من لا تلين قناته
أبناءه الغر الميامين الذين == خطت بهم نحو العلا خطواته
قد أشبهوه في علاه فكلهم == بصفاته انتقلت إليه صفاته
وقفاتهم وقفاته نفحاتهم == نفحاته بركاتهم بركاته
وعلى النبي من الإله سلامه == وعليه من قبل السلام صلاته
ويطيب له هنا أن أشكر جزيل الشكر السيد الإمام الشيخ سيد بوي بن الشيخ الحضرامي بن الشيخ محمد فاضل بن الشيخ حسنَّ بن الشيخ محمد فاضل الأمين العام والمؤسس لزاوية الشيخ محمد فاضل بن مامين على ما أتحفني به من معلومات ومراجع، جزاه الله خيرا. والحمد لله رب العالمين.